[قدوم وفد نجران عليه صلى الله عليه وسلم]
ج ٥ · ص ٥٨
وفيها: أنه لا يشترط في كتاب الإمام والحاكم البينة، ولا أن يقرأه الإمام والحاكم على الحامل له، وكل هذا لا أصل له في كتاب ولا سنة، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدفع كتبه مع رسله، ويسيرها إلى من يكتب إليه، ولا يقرؤها على حاملها، ولا يقيم عليها شاهدين، وهذا معلوم بالضرورة من هديه وسنته.
ثبت أن حاطب بن أبي بلتعة لما جس عليه، سأله عمر رضي الله عنه ضرب عنقه، فلم يمكنه، وقال: " «ما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» ". وقد تقدم حكم المسألة مستوفى.
واختلف الفقهاء في ذلك، فقال سحنون: إذا كاتب المسلم أهل الحرب، قتل، ولم يستتب، وماله لورثته، وقال غيره من أصحاب مالك - رحمه الله -: يجلد جلدا وجيعا، ويطال حبسه، وينفى من موضع يقرب من الكفار. وقال ابن القاسم: يقتل ولا يعرف لهذا توبة، وهو كالزنديق.
وقال الشافعي، وأبو حنيفة، وأحمد - رحمهم الله -: لا يقتل، والفريقان احتجوا بقصة حاطب، وقد تقدم ذكر وجه احتجاجهم، ووافق ابن عقيل من أصحاب أحمد مالكا وأصحابه.
ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في الأسرى أنه قتل بعضهم، ومن على بعضهم، وفادى
ج ٥ · ص ٥٩
بعضهم بمال، وبعضهم بأسرى من المسلمين، واسترق بعضهم، ولكن المعروف أنه لم يسترق رجلا بالغا.
فقتل يوم بدر من الأسرى عقبة بن أبي معيط، والنضر بن الحارث. وقتل من يهود جماعة كثيرين من الأسرى، وفادى أسرى بدر بالمال بأربعة آلاف إلى أربعمائة، وفادى بعضهم على تعليم جماعة من المسلمين الكتابة، ومن على أبي عزة الشاعر يوم بدر، وقال في أسارى بدر: " «لو كان المطعم بن عدي حيا، ثم كلمني في هؤلاء النتنى لأطلقتهم له» ".
وفدى رجلين من المسلمين برجل من المشركين.
وفدى رجالا من المسلمين بامرأة من السبي، استوهبها من سلمة بن الأكوع.
ومن على ثمامة بن أثال، وأطلق يوم فتح مكة جماعة من قريش، فكان يقال لهم الطلقاء.
وهذه أحكام لم ينسخ منها شيء، بل يخير الإمام فيها بحسب المصلحة،