تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

[فصل في هديه في علاج الحمى] — زاد المعاد في هدي خير العباد

من زاد المعاد في هدي خير العباد لـمحمد بن أبي بكر ابن قيّم الجوزية — الورقة ٢٬٠٥٣ من ٢٬٦٢٨.

[فصل في هديه في علاج الحمى]

ج ٥ · ص ١٦٤

جندب ومعاوية بن أبي سفيان والحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة والمغيرة بن شعبة، لكن عمر وابن مسعود والمغيرة أجلوه سنة، وعثمان ومعاوية وسمرة لم يؤجلوه، والحارث بن عبد الله أجله عشرة أشهر.

وذكر سعيد بن منصور حدثنا هشيم أنبأنا عبد الله بن عوف عن ابن سيرين: ( «أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعث رجلا على بعض السعاية فتزوج امرأة وكان عقيما فقال له عمر: أعلمتها أنك عقيم؟ . قال: لا، قال: فانطلق فأعلمها ثم خيرها» ) .

وأجل مجنونا سنة فإن أفاق وإلا فرق بينه وبين امرأته. فاختلف الفقهاء في ذلك، فقال داود وابن حزم ومن وافقهما: لا يفسخ النكاح بعيب البتة، وقال أبو حنيفة: لا يفسخ إلا بالجب والعنة خاصة.

وقال الشافعي ومالك: يفسخ بالجنون والبرص والجذام والقرن والجب والعنة خاصة، وزاد الإمام أحمد عليهما: أن تكون المرأة فتقاء منخرقة ما بين السبيلين، ولأصحابه في نتن الفرج والفم وانخراق مخرجي البول والمني في الفرج، والقروح السيالة فيه والبواسير والناصور والاستحاضة، واستطلاق البول والنجو والخصي وهو قطع البيضتين، والسل وهو سل البيضتين والوجء وهو رضهما، وكون أحدهما خنثى مشكلا، والعيب الذي بصاحبه مثله من العيوب السبعة، والعيب الحادث بعد العقد وجهان.

وذهب بعض أصحاب الشافعي: إلى رد المرأة بكل عيب ترد به الجارية في البيع، وأكثرهم لا يعرف هذا الوجه ولا مظنته ولا من قاله. وممن حكاه أبو

ج ٥ · ص ١٦٥

عاصم العباداني في كتاب طبقات أصحاب الشافعي، وهذا القول هو القياس أو قول ابن حزم ومن وافقه.

وأما الاقتصار على عيبين أو ستة أو سبعة أو ثمانية دون ما هو أولى منها أو مساو لها، فلا وجه له فالعمى والخرس والطرش وكونها مقطوعة اليدين، أو الرجلين أو إحداهما أو كون الرجل كذلك من أعظم المنفرات، والسكوت عنه من أقبح التدليس والغش، وهو مناف للدين، والإطلاق إنما ينصرف إلى السلامة فهو كالمشروط عرفا، وقد قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه " لمن تزوج امرأة وهو لا يولد له: أخبرها أنك عقيم وخيرها " فماذا يقول رضي الله عنه في العيوب التي هذا عندها كمال لا نقص؟! .

والقياس أن كل عيب ينفر الزوج الآخر منه ولا يحصل به مقصود النكاح من الرحمة والمودة يوجب الخيار وهو أولى من البيع، كما أن الشروط المشترطة في النكاح أولى بالوفاء من شروط البيع، وما ألزم الله ورسوله مغرورا قط ولا مغبونا بما غر به وغبن به، ومن تدبر مقاصد الشرع في مصادره وموارده وعدله وحكمته وما اشتمل عليه من المصالح لم يخف عليه رجحان هذا القول وقربه من قواعد الشريعة.

وقد روى يحيى بن سعيد الأنصاري عن ابن المسيب قال قال عمر: (أيما امرأة زوجت وبها جنون أو جذام أو برص فدخل بها ثم اطلع على ذلك فلها مهرها بمسيسه إياها وعلى الولي الصداق بما دلس كما غره) .

ورد هذا بأن ابن المسيب لم يسمع من عمر من باب الهذيان البارد المخالف لإجماع أهل الحديث قاطبة، قال الإمام أحمد: إذا لم يقبل سعيد بن المسيب عن عمر، فمن يقبل. وأئمة الإسلام وجمهورهم يحتجون بقول سعيد بن المسيب: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فكيف بروايته عن عمر رضي الله عنه، وكان عبد الله بن عمر يرسل إلى سعيد يسأله عن قضايا عمر، فيفتي بها، ولم يطعن أحد قط من أهل

ط. مؤسسة الرسالة، بيروت — مكتبة المنار الإسلامية، الكويت · الطبعة السابعة والعشرون ١٤١٥هـ/١٩٩٤م