تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

[زيت] — زاد المعاد في هدي خير العباد

من زاد المعاد في هدي خير العباد لـمحمد بن أبي بكر ابن قيّم الجوزية — الورقة ٢٬٤٥٧ من ٢٬٦٢٨.

[زيت]

ج ٥ · ص ٥٦٨

حقها من كل وجه إزالة لليقين بيقين مثله، إذ ليس جعلها حائضا في تلك الأحكام أولى من جعلها حائضا في بقاء الزوجية، وثبوت الرجعة، وهذا من أدق الفقه وألطفه مأخذا.

قالوا: وأما قول الأعشى:

لما ضاع فيها من قروء نسائكا

فغايته استعمال القروء في الطهر، ونحن لا ننكره.

قولكم: إن الطهر أسبق من الحيض، فكان أولى بالاسم، فترجيح طريف جدا، فمن أين يكون أولى بالاسم إذا كان سابقا في الوجود؟ ثم ذلك السابق لا يسمى قرءا ما لم يسبقه دم عند جمهور من يقول: الأقراء الأطهار، وهل يقال في كل لفظ مشترك: إن أسبق معانيه إلى الوجود أحق به، فيكون عسعس من قوله: {والليل إذا عسعس} [التكوير: 17] [التكوير: 17] ، أولى بكونه لإقبال الليل لسبقه في الوجود، فإن الظلام سابق على الضياء.

وأما قولكم: إن النبي صلى الله عليه وسلم فسر القروء بالأطهار، فلعمر الله لو كان الأمر كذلك، لما سبقتمونا إلى القول بأنها الأطهار، ولبادرنا إلى هذا القول اعتقادا وعملا، وهل المعول إلا على تفسيره وبيانه:

تقول سليمى لو أقمتم بأرضنا ... ولم تدر أني للمقام أطوف

فقد بينا من صريح كلامه ومعناه ما يدل على تفسيره للقروء بالحيض، وفي ذلك كفاية.

قولكم في الاعتراض على الاستدلال بقوله: " ثلاثة قروء " فإنه يقتضي أن تكون كوامل، أي: بقية الطهر قرء كامل، فهذا ترجمة المذهب، والشأن في كونه

ج ٥ · ص ٥٦٩

قرءا في لسان الشارع، أو في اللغة، فكيف تستدلون علينا بالمذهب، مع منازعة غيركم لكم فيه ممن يقول: الأقراء: الأطهار كما تقدم؟ ولكن أوجدونا في لسان الشارع، أو في لغة العرب، أن اللحظة من الطهر تسمى قرءا كاملا، وغاية ما عندكم أن بعض من قال: القروء الأطهار، لا كلهم يقولون: بقية القرء المطلق فيه قرء، وكان ماذا؟ كيف وهذا الجزء من الطهر بعض طهر بلا ريب؟ فإذا كان مسمى القرء في الآية هو الطهر، وجب أن يكون هذا بعض قرء يقينا، أو يكون القرء مشتركا بين الجميع والبعض، وقد تقدم إبطال ذلك، وأنه لم يقل به أحد.

قولكم: إن العرب توقع اسم الجمع على اثنين، وبعض الثالث، جوابه من وجوه.

أحدها: أن هذا إن وقع، فإنما يقع في أسماء الجموع التي هي ظواهر في مسماها، وأما صيغ العدد التي هي نصوص في مسماها، فكلا ولما، ولم ترد صيغة العدد إلا مسبوقة بمسماها، كقوله: {إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله} [التوبة: 36] [التوبة: 36] . وقوله: {ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعا} [الكهف: 25] [الكهف: 25] . وقوله: {فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة} [البقرة: 196] [البقرة: 196] . وقوله {سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما} [الحاقة: 7] [الحاقة: 7] ، ونظائره مما لا يراد به في موضع واحد دون مسماه من العدد. وقوله: {ثلاثة قروء} [البقرة: 228] ، اسم عدد ليس بصيغة جمع، فلا يصح إلحاقه بأشهر معلومات، لوجهين.

أحدهما: أن اسم العدد نص في مسماه لا يقبل التخصيص المنفصل، بخلاف الاسم العام، فإنه يقبل التخصيص المنفصل، فلا يلزم من التوسع في الاسم الظاهر التوسع في الاسم الذي هو نص فيما يتناوله.

الثاني: أن اسم الجمع يصح استعماله في اثنين فقط مجازا عند الأكثرين، وحقيقة عند بعضهم، فصحة استعماله في اثنين، وبعض الثالث أولى بخلاف

ط. مؤسسة الرسالة، بيروت — مكتبة المنار الإسلامية، الكويت · الطبعة السابعة والعشرون ١٤١٥هـ/١٩٩٤م