تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

[لحم] — زاد المعاد في هدي خير العباد

من زاد المعاد في هدي خير العباد لـمحمد بن أبي بكر ابن قيّم الجوزية — الورقة ٢٬٥٥٨ من ٢٬٦٢٨.

[لحم]

ج ٥ · ص ٦٦٩

الحياة والحيوانية التي يتنجس الحيوان بمفارقتها، فإن مجرد النماء لو دل على الحياة، ونجس المحل بمفارقة هذه الحياة، لتنجس الزرع بيبسه، لمفارقة حياة النمو والاغتذاء له.

قالوا: فالحياة نوعان: حياة حس وحركة، وحياة نمو واغتذاء، فالأولى: هي التي يؤثر فقدها في طهارة الحي دون الثانية.

قالوا: واللحم إنما ينجس لاحتقان الرطوبات والفضلات الخبيثة فيه، والشعور والأصواف بريئة من ذلك، ولا ينتقض بالعظام والأظفار لما سنذكره.

قالوا: والأصل في الأعيان الطهارة، وإنما يطرأ عليها التنجيس باستحالتها، كالرجيع المستحيل عن الغذاء، وكالخمر المستحيل عن العصير وأشباهها، والشعور في حال استحالتها كانت طاهرة، ثم لم يعرض لها ما يوجب نجاستها بخلاف أعضاء الحيوان، فإنها عرض لها ما يقتضي نجاستها، وهو احتقان الفضلات الخبيثة.

قالوا: وأما حديث عبد الله بن عمر، ففي إسناده عبد الله بن عبد العزيز بن أبي رواد. قال أبو حاتم الرازي: أحاديثه منكرة ليس محله عندي الصدق، وقال علي بن الحسين بن الجنيد: لا يساوي فلسا يحدث بأحاديث كذب.

وأما حديث الشاة الميتة وقوله: ( «ألا انتفعتم بإهابها» ) ، ولم يتعرض للشعر فعنه ثلاثة أجوبة:

أحدها: أنه أطلق الانتفاع بالإهاب، ولم يأمرهم بإزالة ما عليه من الشعر، مع أنه لا بد فيه من شعر، وهو - صلى الله عليه وسلم - لم يقيد الإهاب المنتفع به بوجه دون وجه، فدل على أن الانتفاع به فروا وغيره مما لا يخلو من الشعر.

ج ٥ · ص ٦٧٠

والثاني: أنه - صلى الله عليه وسلم - قد أرشدهم إلى الانتفاع بالشعر في الحديث نفسه حيث يقول: ( «إنما حرم من الميتة أكلها أو لحمها» ) .

والثالث: أن الشعر ليس من الميتة ليتعرض له في الحديث؛ لأنه لا يحله الموت، وتعليلهم بالتبعية يبطل بجلد الميتة إذا دبغ، وعليه شعر، فإنه يطهر دون الشعر عندهم، وتمسكهم بغسله في الطهارة يبطل بالجبيرة، وتمسكهم بضمانه من الصيد يبطل بالبيض، وبالحمل. وأما في النكاح، فإنه يتبع الجملة لاتصاله، وزوال الجملة بانفصاله عنها، وهاهنا لو فارق الجملة بعد أن تبعها في التنجس، لم يفارقها فيه عندهم، فعلم الفرق.

فصل

فإن قيل: فهل يدخل في تحريم بيعها تحريم بيع عظمها وقرنها وجلدها بعد الدباغ لشمول اسم الميتة لذلك؟ قيل: الذي يحرم بيعه منها هو الذي يحرم أكله واستعماله، كما أشار إليه النبي بقوله: ( «إن الله تعالى إذا حرم شيئا حرم ثمنه» ) . وفي اللفظ الآخر: ( «إذا حرم أكل شيء حرم ثمنه» ) . فنبه على أن الذي يحرم بيعه يحرم أكله.

وأما الجلد إذا دبغ، فقد صار عينا طاهرة ينتفع في اللبس والفرش، وسائر وجوه الاستعمال، فلا يمتنع جواز بيعه، وقد نص الشافعي في كتابه القديم على أنه لا يجوز بيعه، واختلف أصحابه، فقال القفال: لا يتجه هذا إلا بتقدير قول يوافق مالكا في أنه يطهر ظاهره دون باطنه، وقال بعضهم: لا يجوز بيعه، وإن طهر ظاهره وباطنه على قوله الجديد؛ فإنه جزء من الميتة، حقيقة فلا يجوز بيعه كعظمها ولحمها.

وقال بعضهم: بل يجوز بيعه بعد الدبغ؛ لأنه عين طاهرة ينتفع بها، فجاز بيعها كالمذكى، وقال بعضهم: بل هذا ينبني على أن الدبغ إزالة أو

ط. مؤسسة الرسالة، بيروت — مكتبة المنار الإسلامية، الكويت · الطبعة السابعة والعشرون ١٤١٥هـ/١٩٩٤م