[فصل هديه صلى الله عليه وسلم في صدقة التطوع]
ج ٢ · ص ١٢٢
يقول: ( «لبيك بحجة وعمرة» ) ، وخبر من هو من أعلم الناس عنه صلى الله عليه وسلم، علي بن أبي طالب رضي الله عنه، حين يخبر أنه أهل بهما جميعا، ولبى بهما جميعا، وخبر زوجته حفصة في تقريره لها على أنه معتمر بعمرة لم يحل منها، فلم ينكر ذلك عليها، بل صدقها، وأجابها بأنه مع ذلك حاج، وهو صلى الله عليه وسلم لا يقر على باطل يسمعه أصلا، بل ينكره.
وما عذرهم عن خبره صلى الله عليه وسلم عن نفسه بالوحي الذي جاءه من ربه، يأمره فيه أن يهل بحجة في عمرة، وما عذرهم عن خبر من أخبر عنه من أصحابه أنه قرن؛ لأنه علم أنه لا يحج بعدها، وخبر من أخبر عنه صلى الله عليه وسلم أنه اعتمر مع حجته وليس مع من قال: إنه أفرد الحج شيء من ذلك البتة فلم يقل أحد منهم عنه: إني أفردت، ولا أتاني آت من ربي يأمرني بالإفراد، ولا قال أحد: ما بال الناس حلوا، ولم تحل من حجتك، كما حلوا هم بعمرة، ولا قال أحد: سمعته يقول: لبيك بعمرة مفردة البتة، ولا بحج مفرد، ولا قال أحد: إنه اعتمر أربع عمر الرابعة بعد حجته، وقد شهد عليه أربعة من الصحابة أنهم سمعوه يخبر عن نفسه بأنه قارن، ولا سبيل إلى دفع ذلك إلا بأن يقال: لم يسمعوه.
ومعلوم قطعا أن تطرق الوهم والغلط إلى من أخبر عما فهمه هو من فعله يظنه كذلك أولى من تطرق التكذيب إلى من قال: سمعته يقول: كذا وكذا وإنه لم يسمعه فإن هذا لا يتطرق إليه إلا التكذيب، بخلاف خبر من أخبر عما ظنه من فعله وكان واهما، فإنه لا ينسب إلى الكذب، ولقد نزه الله عليا، وأنسا، والبراء، وحفصة عن أن يقولوا: سمعناه يقول: كذا ولم يسمعوه ونزهه ربه تبارك وتعالى، أن يرسل إليه: أن افعل كذا وكذا ولم يفعله، هذا من أمحل المحال وأبطل الباطل، فكيف والذين ذكروا الإفراد عنه لم يخالفوا هؤلاء في مقصودهم، ولا ناقضوهم، وإنما أرادوا إفراد الأعمال، واقتصاره على عمل المفرد فإنه ليس في عمله زيادة على عمل المفرد.
ومن روى عنهم ما يوهم خلاف هذا، فإنه عبر بحسب ما فهمه كما سمع بكر بن عبد الله بن عمر يقول: أفرد الحج، فقال (لبى بالحج وحده) فحمله على المعنى. وقال سالم ابنه عنه ونافع مولاه. إنه تمتع، فبدأ فأهل بالعمرة ثم أهل