تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

[كراهية تخصيص يوم الجمعة بالصوم] — زاد المعاد في هدي خير العباد

من زاد المعاد في هدي خير العباد لـمحمد بن أبي بكر ابن قيّم الجوزية — الورقة ٦٧٩ من ٢٬٦٢٨.

[كراهية تخصيص يوم الجمعة بالصوم]

ج ٢ · ص ٢٠٣

ليس هذا موضعها، فرجحان هذا النسك أفضل من البقاء على الإحرام الذي يفوته بالفسخ، وقد تبين بهذا بطلان الوجه الثاني.

وأما قولكم: إنه نسك مجبور بالهدي، فكلام باطل من وجوه.

أحدها: أن الهدي في التمتع عبادة مقصودة، وهو من تمام النسك، وهو دم شكران لا دم جبران، وهو بمنزلة الأضحية للمقيم، وهو من تمام عبادة هذا اليوم، فالنسك المشتمل على الدم بمنزلة العيد المشتمل على الأضحية، فإنه ما تقرب إلى الله في ذلك اليوم بمثل إراقة دم سائل.

وقد روى الترمذي وغيره من حديث أبي بكر الصديق، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل: أي الحج أفضل؟ فقال: " العج والثج» . والعج: رفع الصوت بالتلبية، والثج: إراقة دم الهدي. فإن قيل: يمكن المفرد أن يحصل هذه الفضيلة. قيل: مشروعيتها إنما جاءت في حق القارن والمتمتع، وعلى تقدير استحبابها في حقه، فأين ثوابها من ثواب هدي المتمتع والقارن؟

الوجه الثاني: إنه لو كان دم جبران، لما جاز الأكل منه، وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أكل من هديه، فإنه أمر من كل بدنة ببضعة فجعلت في قدر،

[فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الاعتكاف]

ج ٢ · ص ٢٠٤

فأكل من لحمها، وشرب من مرقها. وإن كان الواجب عليه سبع بدنة، فإنه أكل من كل بدنة من المائة، والواجب فيها مشاع لم يتعين بقسمة.

وأيضا: فإنه قد ثبت في " الصحيحين ": «أنه أطعم نساءه من الهدي الذي ذبحه عنهن وكن متمتعات» ، احتج به الإمام أحمد، فثبت في " الصحيحين " عن عائشة - رضي الله عنها -، «أنه أهدى عن نسائه، ثم أرسل إليهن من الهدي الذي ذبحه عنهن» . وأيضا: فإن الله سبحانه وتعالى قال فيما يذبح بمنى من الهدي: {فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير} [الحج: 28] [الحج: 28] وهذا يتناول هدي التمتع والقران قطعا إن لم يختص به، فإن المشروع هناك ذبح هدي المتعة والقران.

ومن هاهنا والله أعلم أمر النبي - صلى الله عليه وسلم -، من كل بدنة ببضعة، فجعلت في قدر امتثالا لأمر ربه بالأكل ليعم به جميع هديه.

الوجه الثالث: أن سبب الجبران محظور في الأصل، فلا يجوز الإقدام عليه إلا لعذر، فإنه إما ترك واجب، أو فعل محظور، والتمتع مأمور به، إما أمر إيجاب عند طائفة كابن عباس وغيره، أو أمر استحباب عند الأكثرين، فلو كان دمه دم جبران، لم يجز الإقدام على سببه بغير عذر، فبطل قولهم إنه دم جبران، وعلم أنه دم نسك، وهذا وسع الله به على عباده، وأباح لهم بسببه التحلل في أثناء الإحرام لما في استمرار الإحرام عليهم من المشقة، فهو بمنزلة القصر والفطر في السفر، وبمنزلة المسح على الخفين، وكان من هدي النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهدي أصحابه فعل هذا وهذا، " «والله تعالى يحب أن يؤخذ برخصه، كما يكره أن تؤتى معصيته» ". فمحبته لأخذ العبد بما يسره عليه

ط. مؤسسة الرسالة، بيروت — مكتبة المنار الإسلامية، الكويت · الطبعة السابعة والعشرون ١٤١٥هـ/١٩٩٤م