[حج النبي صلى الله عليه وسلم قارنا والدليل على ذلك]
ج ٢ · ص ٢٣٤
فصل
وقف - صلى الله عليه وسلم - في موقفه، وأعلم الناس أن مزدلفة كلها موقف، ثم سار من مزدلفة مردفا للفضل بن عباس وهو يلبي في مسيره، وانطلق أسامة بن زيد على رجليه في سباق قريش.
وفي طريقه ذلك أمر ابن عباس أن يلقط له حصى الجمار، سبع حصيات، ولم يكسرها من الجبل تلك الليلة كما يفعل من لا علم عنده، ولا التقطها بالليل، فالتقط له سبع حصيات من حصى الخذف، فجعل ينفضهن في كفه ويقول: " «بأمثال هؤلاء فارموا، وإياكم والغلو في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين» ".
وفي طريقه تلك، عرضت له امرأة من خثعم جميلة، فسألته عن الحج عن أبيها، وكان شيخا كبيرا، لا يستمسك على الراحلة، فأمرها أن تحج عنه، وجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه فوضع يده على وجهه وصرفه إلى الشق الآخر، وكان الفضل وسيما، فقيل: صرف وجهه عن نظرها إليه. وقيل: صرفه عن نظره إليها، والصواب: إنه فعله للأمرين، فإنه في القصة جعل ينظر إليها وتنظر إليه.
ج ٢ · ص ٢٣٥
وسأله آخر هنالك عن أمه، فقال إنها عجوز كبيرة، فإن حملتها لم تستمسك، وإن ربطتها خشيت أن أقتلها، فقال: " «أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيه؟ قال: نعم. قال: فحج عن أمك» ".
فلما أتى بطن محسر، حرك ناقته وأسرع السير، وهذه كانت عادته في المواضع التي نزل فيها بأس الله بأعدائه، فإن هنالك أصاب أصحاب الفيل ما قص الله علينا، ولذلك سمي ذلك الوادي وادي محسر؛ لأن الفيل حسر فيه، أي أعيي وانقطع عن الذهاب إلى مكة، وكذلك فعل في سلوكه الحجر ديار ثمود، فإنه تقنع بثوبه، وأسرع السير.
ومحسر: برزخ بين منى وبين مزدلفة، لا من هذه ولا من هذه.
وعرنة: برزخ بين عرفة والمشعر الحرام، فبين كل مشعرين برزخ ليس منهما.
فمنى: من