[حج النبي صلى الله عليه وسلم قارنا والدليل على ذلك]
ج ٢ · ص ٢٤٢
وفي " السنن ": «أنه نحر عن آل محمد في حجة الوداع بقرة واحدة» .
ومذهبه: أن الحاج شرع له التضحية مع الهدي، والصحيح إن شاء الله: الطريقة الأولى، وهدي الحاج له بمنزلة الأضحية للمقيم، ولم ينقل أحد أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولا أصحابه جمعوا بين الهدي والأضحية، بل كان هديهم هو أضاحيهم، فهو هدي بمنى، وأضحية بغيرها.
وأما قول عائشة: ضحى عن نسائه بالبقر، فهو هدي أطلق عليه اسم الأضحية، وأنهن كن متمتعات، وعليهن الهدي، فالبقر الذي نحره عنهن هو الهدي الذي يلزمهن.
ولكن في قصة نحر البقرة عنهن وهن تسع إشكال: وهو إجزاء البقرة عن أكثر من سبعة.
وأجاب أبو محمد ابن حزم عنه بجواب على أصله، وهو أن عائشة لم تكن معهن في ذلك، فإنها كانت قارنة وهن متمتعات، وعنده لا هدي على القارن، وأيد قوله بالحديث الذي رواه مسلم من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - موافين لهلال ذي الحجة، فكنت فيمن أهل بعمرة، فخرجنا حتى قدمنا مكة، فأدركني يوم عرفة وأنا حائض لم أحل من عمرتي، فشكوت ذلك إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: " «دعي عمرتك وانقضي رأسك، وامتشطي، وأهلي بالحج» ". قالت: ففعلت. فلما كانت ليلة الحصبة وقد قضى الله حجنا، أرسل معي عبد الرحمن بن أبي بكر، فأردفني، وخرج إلى
ج ٢ · ص ٢٤٣
التنعيم، فأهللت بعمرة فقضى الله حجنا وعمرتنا، ولم يكن في ذلك هدي ولا صدقة ولا صوم.
وهذا مسلك فاسد تفرد به ابن حزم عن الناس. والذي عليه الصحابة والتابعون، ومن بعدهم، أن القارن يلزمه الهدي، كما يلزم المتمتع، بل هو متمتع حقيقة في لسان الصحابة، كما تقدم وأما هذا الحديث فالصحيح أن هذا الكلام الأخير من قول هشام بن عروة، جاء ذلك في " صحيح مسلم " مصرحا به، فقال حدثنا أبو كريب، حدثنا وكيع، حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة - رضي الله عنها -. . . فذكرت الحديث. وفي آخره: قال عروة في ذلك: إنه قضى الله حجها وعمرتها. قال هشام: ولم يكن في ذلك هدي ولا صيام ولا صدقة.
قال أبو محمد: إن كان وكيع جعل هذا الكلام لهشام، فابن نمير، وعبدة أدخلاه في كلام عائشة، وكل منهما ثقة فوكيع نسبه إلى هشام؛ لأنه سمع هشاما يقوله، وليس قول هشام إياه بدافع أن تكون عائشة قالته، فقد يروي المرء حديثا يسنده، ثم يفتي به دون أن يسنده، فليس شيء من هذا بمتدافع وإنما يتعلل بمثل هذا من لا ينصف ومن اتبع هواه، والصحيح من ذلك أن كل ثقة فمصدق فيما نقل. فإذا أضاف عبدة وابن نمير القول إلى عائشة، صدقا لعدالتهما. وإذا أضافه وكيع إلى هشام، صدق أيضا لعدالته، وكل صحيح، وتكون عائشة قالته وهشام قاله.
قلت: هذه الطريقة هي اللائقة بظاهريته، وظاهرية أمثاله ممن لا فقه له في علل الأحاديث، كفقه الأئمة النقاد أطباء علله، وأهل العناية بها، وهؤلاء لا