تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

[فصل صلاته صلى الله عليه وسلم خلف المقام] — زاد المعاد في هدي خير العباد

من زاد المعاد في هدي خير العباد لـمحمد بن أبي بكر ابن قيّم الجوزية — الورقة ٨٤٧ من ٢٬٦٢٨.

[فصل صلاته صلى الله عليه وسلم خلف المقام]

ج ٢ · ص ٣٧١

الإقتار.

وقد تضمنت هذه الكلمات أصول الخير وفروعه، فإن الإنصاف يوجب عليه أداء حقوق الله كاملة موفرة، وأداء حقوق الناس كذلك، وأن لا يطالبهم بما ليس له، ولا يحملهم فوق وسعهم، ويعاملهم بما يحب أن يعاملوه به، ويعفيهم مما يحب أن يعفوه منه، ويحكم لهم وعليهم بما يحكم به لنفسه وعليها، ويدخل في هذا إنصافه نفسه من نفسه، فلا يدعي لها ما ليس لها، ولا يخبثها بتدنيسه لها، وتصغيره إياها، وتحقيرها بمعاصي الله وينميها ويكبرها ويرفعها بطاعة الله وتوحيده وحبه وخوفه ورجائه والتوكل عليه والإنابة إليه وإيثار مرضاته ومحابه على مراضي الخلق ومحابهم، ولا يكون بها مع الخلق ولا مع الله بل يعزلها من البين كما عزلها الله، ويكون بالله لا بنفسه في حبه وبغضه وعطائه ومنعه وكلامه وسكوته ومدخله ومخرجه، فينجي نفسه من البين، ولا يرى لها مكانة يعمل عليها، فيكون ممن ذمهم الله بقوله {اعملوا على مكانتكم} [الأنعام: 135] [الأنعام: 135]

فالعبد المحض ليس له مكانة يعمل عليها، فإنه مستحق المنافع والأعمال لسيده، ونفسه ملك لسيده فهو عامل على أن يؤدي إلى سيده

ج ٢ · ص ٣٧٢

ما هو مستحق له عليه، ليس له مكانة أصلا، بل قد كوتب على حقوق منجمة، كلما أدى نجما حل عليه نجم آخر، ولا يزال المكاتب عبدا، ما بقي عليه شيء من نجوم الكتابة.

والمقصود أن إنصافه من نفسه يوجب عليه معرفة ربه، وحقه عليه، ومعرفة نفسه، وما خلقت له، وأن لا يزاحم بها مالكها، وفاطرها ويدعي لها الملكة والاستحقاق، ويزاحم مراد سيده، ويدفعه بمراده هو، أو يقدمه ويؤثره عليه، أو يقسم إرادته بين مراد سيده ومراده، وهي قسمة ضيزى، مثل قسمة الذين قالوا: {هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون} [الأنعام: 136] [الأنعام: 136] .

ط. مؤسسة الرسالة، بيروت — مكتبة المنار الإسلامية، الكويت · الطبعة السابعة والعشرون ١٤١٥هـ/١٩٩٤م