تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

إعجاز القرآن للباقلاني

من إعجاز القرآن للباقلاني لـأبو بكر الباقلاني محمد بن الطيب — الورقة ١٧ من ١٠٤.

(25) ومن ألد أعداء الاشعري والاشاعرة: أبو على الحسن بن على بن إبراهيم بن يزداد بن هرمز، الاهوازي (362 - 446) وقد ألف في مثالب الاشعري كتابا، رماه فيه بكل ما أمكنه ذكره من الامر الشنيع والوصف القبيح، كما رمى كبار أصحابه، وأعلام مذهبه، وقد نقض عليه كتابه الحافظ ابن عساكر في كتاب " تبيين كذب المفترى " ص 364 - 420 ومن قوله في ص 398: " وأما ما ذكره في حق القاضى أبى بكر بن الباقلانى رحمه الله من أنه كان أجير الفامى، وأنه إنما ارتفع قدره بمداخلة السلاطين لا بالعلم - فعين الجهل والتعامى.

وهل ينكر فضل القاضى أبى بكر في العلم والفهم من شم أدنى شمة من العلم؟ وتصانيفه في الخلق مبثوثة، وعلومه عنه مستفادة موروثة.

وقد كان يدرس المدة الطويلة في دار السلام، ويصنف الكتب الجليلة في قواعد الاسلام، ويؤخذ

عنه علم الفقه على مذهب مالك بن أنس، وينتفع بدروسه في أصول الدين والفقه كل مقتبس، والرحلة من الشرق والغرب، فقوله في حقه قول من لا يتحاشى من الكذب ".

والذى حدا بالأهوازي إلى الطعن في الاشعري ومتابعيه، أنه كان مشبها مجسما يقول بالظاهر، ويذهب مذهب السالمية، وهى فرقة من المشبهة، يقولون: إن الله سبحانه يرى في صورة آدمى، وإنه يقرأ على لسان كل قارئ، وإنهم إذا سمعوا القرآن من قارئ يرون أنهم يسمعونه من الله.

ويعتقدون أن الميت يأكل في قبره

ويشرب.

وقد اتهم العلماء الاهوازي بالوضع والاختلاق، وقد قال عنه تلميذه الخطيب البغدادي: " أبو على الاهوازي كذاب في الحديث والقرآن جميعا "! الباقلانى وابن المعلم: وكان يعاصر الباقلانى إمام الرافضة ولسان الامامية أبو عبد الله: محمد بن محمد ابن النعمان بن سعيد، البغدادي الكوفى، المعروف بابن المعلم، والملقب عند الشيعة بالشيخ المفيد (336 - 413) وكان ابن المعلم جليل المكانة في الدولة البويهية، وكان عضد الدولة يزوره في داره، وكان قويا في الكلام والفقه والجدل، مولعا بمناظرة أهل كل عقيدة.

قال الخطيب البغدادي 5 / 379: " إن ابن المعلم شيخ الرافضة ومتكلمها، حضر بعض مجالس النظر مع أصحاب له، إذ أقبل القاضى أبو بكر الاشعري، فالتفت ابن المعلم إلى أصحابه، وقال لهم: قد جاءكم الشيطان، فسمع القاضى كلامهم - وكان بعيدا من القوم - فلما جلس أقبل على ابن المعلم وأصحابه وقال لهم: قال الله تعالى: (إنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا) أي إن كنت شيطانا فأنتم كفار، وقد أرسلت عليكم! " قال القاضى: وحكى غير الخطيب أن الحكاية جرت للباقلاني مع أهل مجلس

فنا خسرو الملك، من شيوخ المعتزلة، وأنه كان داخلا إذ سمعهم يذكرون أمره، فقال لهم بعضهم: ما هو إلا شيطان؟ فوصل إليهم وهو يتلو الآية.

قال: وسمعت بعض الشيوخ يحكى: أن ابن المعلم تكلم معه يوما فلما احتد الكلام بينهما، رماه ابن المعلم بكف باقلاء (فول) أعده له، يعرض له بما ينسب إليه، ليخجله بذلك ويحصره، فرد القاضى للحين يده في كمه ورماه بدرة أعدها له، فعجب من فطنته وإعداده للامور أشباهها قبل وقتها! وفاة الباقلانى: حدث الخطيب البغدادي 5 / 382 عن على بن أبى على المعدل، قال: مات القاضى أبو بكر: محمد بن الطيب، في يوم السبت لسبع بقين من ذى الحجة سنة ثلاث وأربعمائة.

وقال أبو الحجاج: يوسف بن عبد العزيز اللخمى: توفى القاضى الباقلانى سنة أربع وأربعمائة.

وقد نقل القاضى عياض في " ترتيب المدارك " ما حكاه الخطيب، ثم قال: " ووجدت عن غيره: سنة أربع، أيام بهاء الدولة، والخليفة القادر بالله، وهذا خطأ والاول أصح ".

وقد صلى على الباقلانى ابنه الحسن، وكان شابا مرجوا، واخترمته المنية بعد أبيه.

ودفن القاضى في داره، ثم نقل بعد ذلك فدفن في مقبرة باب حرب، في تربة بقرب قبر أحمد بن حنبل، ونقش على شاهد تربته ما نصه: " هذا قبر القاضى الامام السعيد، فخر الامة، ولسان الملة وسيف السنة، عماد الدين، ناصر الاسلام، أبى بكر: محمد بن الطيب البصري، قدس الله روحه، وألحقه بنبيه محمد صلوات الله عليه وسلامه، ويزار ويستسقى ويتبرك به ".

وقد حضر أبو الفضل التميمي الحنبلى (341 - 410) يوم وفاته العزاء حافيا مع إخوته وأصحابه، وأمر أن ينادى بين يدى جنازته: " هذا ناصر السنة والدين، هذا إمام المسلمين، هذا الذى كان يذب عن الشريعة ألسنة المخالفين، هذا الذى صنف سبعين ألف ورقة ردا على الملحدين ".

وقعد للعزاء ثلاثة أيام فلم يبرح وكان يزور تربته كل يوم جمعة في الدار.

وكان يزورها أيضا للترحم عليه أبو الفضل: عبيد الله بن أحمد بن على المقرئ (370 - 451) وأبو علي: الحسن بن أحمد بن إبراهيم بن شاذان (339 - 426) وأبو القاسم: عبيد الله بن أحمد بن عثمان الصيرفى (355 - 435) .

وقد رثى الباقلانى بعض الشعراء فقال: انظر إلى جبل تمشى الرجال به * * وانظر إلى القبر ما يحوى من الصلف وانظر إلى صارم الاسلام منغمدا * * وانظر إلى درة الاسلام في الصدف

كتاب إعجاز القرآن وهو أول كتب الباقلانى نشرا، وأشهرهم ذكرا، وهو أعظم كتاب ألف في الاعجاز إلى اليوم، وإن كره ذلك بعض المتعصبين على المعهد العتيق.

ولقد حدثنى من أثق بصدق حديثه: أن دارا للنشر والطبع استشارت كبيرا منهم في طبع هذا الكتاب بتحقيقي، فكتب إليها بخط يده يقول: " أنا لا أنصح بطبع كتاب إعجاز القرآن للباقلاني، لانه ليس أنفس كتاب في موضوعه "! ! ولما لقيت كاتب هذا التقرير العجيب قذفت سامعتيه بهذا التحدي: " دلنى على كتاب واحد في إعجاز القرآن تربو قيمته على كتاب الباقلانى أو تضارعه "! فأبلس ولم يحر جوابا..* * * ذكر الباقلانى في مقدمته أن الذين ألفوا في " معاني القرآن " من علماء اللغة

والكلام، لم يبسطوا القول في الابانة عن وجه معجزته، والدلالة على مكانه، مع أن الحاجة إلى ذلك البيان أمس، والاشتغال به أوجب، فهو أحق بالتصنيف من الجزء والطفرة والاعراض وغريب النحو وبديع الاعراب.

وأن ما صنفه العلماء في هذا المعنى جاء غير كامل في بابه، قد أخل بتهذيبه، وأهمل ترتيبه، وقد التمس لبعضهم العذر فيما وقع منه من تفريط، لان بيان وجه الاعجاز " مما لا يمكن بيانه إلا بعد التقدم في أمور عظيمة المقدار، دقيقة المسلك، لطيفة المأخذ ".

وقال: إن الجاحظ " صنف في نظم القرآن كتابا لم يزد فيه على ما قاله المتكلمون قبله، ولم يكشف عما يلتبس في أكثر هذا المعنى ".

ثم قال: إن سائلا سأله أن يذكر جملة من القول جامعة، تسقط الشبهات وتزيل الشكوك التى تعرض للجهال، وتنتهى إلى ما يخطر لهم، ويعرض لافهامهم، من الطعن في وجه المعجزة.

فأجابه إلى ذلك، وألف هذا الكتاب، وذكر أنه أشار إلى ما سبق بيانه من غيره، ولم يبسط القول فيه، لئلا يكون ما ألفه مكررا

ومقولا.

وقال: إنه لا يزعم أنه يمكنه أن يبين ما رام بيانه، وأراد شرحه وتفصيله، إلا لمن كان " من أهل صناعة العربية، وقد وقف على جمل من محاسن الكلام ومتصرفاته ومذاهبه، وعرف جملة من طرق المتكلمين ونظر في شئ من أصول الدين ".

ثم بين في الفصل الاول أن نبوة محمد، صلى الله عليه وسلم، مبينة على دلالة معجزة القرآن، واستدل على ذلك بآيات كثيرة، وقال: إنه ما من سورة من السور المفتتحة بذكر الحروف المقطعة إلا وقد أشبع فيها بيان ذلك " وكثير من هذه السور إذا تأملته، فهو من أوله إلى آخره مبني على لزوم حجة القرآن، والتنبيه على معجزته ".

وفصل القول في نظم سورتي غافر وفصلت، وبين دلالته على ذلك.

* * * وعقد الفصل الثاني ص 21 لبيان وجه دلالة معجزة القرآن على نبوة النبي وبنى ذلك على أصلين: أولهما: وقوع العلم الضرورى بأن القرآن المتلو المحفوظ المرسوم في المصاحف - هو الذي جاء به النبي من عند الله تعالى، وأنه تلاه على من في عصره ثلاثا وعشرين سنة، وقام به في المواقف، وكتب به إلى البلاد وتحمله عنه إليها من تابعه، حتى ظهر فيهم الظهور الذي لا يشتبه.

والاصل الثاني: إنه تحداهم إلى أن يأتوا بمثله، وقرعهم على ترك الاتيان طول تلك السنين فلم يأتوا بذلك، واستدل على هذا الاصل بآيات كثيرة، منها آية استدل بها على بطلان قول من زعم أن وحدانية الله لا تعلم إلا من جهة العقل، ولا يمكن أن تعلم من القرآن، وهى قوله تعالى: (أم يقولون افتراه، قل: فأتوا بعشر سور مثله مفتريات، وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين.

فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله، وأن لا إله إلا هو، فهل أنتم مسلمون؟) .

وقد عقب عليها بقوله ص 23: " فجعل عجزهم عن الإتيان بمثله دليلا على أنه منه، ودليلا على وحدانيته ".

ثم كشف عن المعاني التى استقصى أهل العلم الكلام فيها قبله، وما جاء به بعدهم، وذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم عرف كون القرآن معجزا حين أوحى إليه من قبل أن يقرأه على غيره أو يتحدى إليه سواه.

وأفاض في إبطال قول

القائلين بالصرفة، وقال: إن التوراة والانجيل وغيرهما من كلام الله يشارك القرآن في الاعجاز بما تضمنه من الاخبار عن الغيوب، ويباينه في أنه ليس بمعجز في النظم والتأليف، لان الله لم يصفه بما وصف به القرآن، ولم يقع به التحدي كما وقع بالقرآن، ولان الالسنة التى نزل بها لا يتأتى فيها من وجوه الفصاحة ما يقع به التفاضل الذى ينتهى إلى حد الاعجاز.

وقال: إن كتاب زرادشت وكتاب مانى ليس يقع

فيهما إعجاز، وإنه لا يوجد لابن المقفع كتاب يدعي مدع أنه عارض فيه القرآن.

* * * والفصل الثالث ص 48 في جملة وجوه إعجاز القرآن.

ت. السيد أحمد صقر — دار المعارف - مصر — الخامسة، ١٩٩٧م