تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

فصل في كيفية الوقوف على إعجاز القرآن — إعجاز القرآن للباقلاني

من إعجاز القرآن للباقلاني لـأبو بكر الباقلاني محمد بن الطيب — الورقة ٥٠ من ١٠٤.

فصل في كيفية الوقوف على إعجاز القرآن

وكذلك بني أمر الحروف التي ابتدئ بها السور على هذا: فأكثر هذه السور التي ابتدئت بذكر الحروف، ذكر فيها ثلاثة أحرف.

وما هو أربعة أحرف سورتان.

وما ابتدئ بخمسة أحرف سورتان.

فأما ما بدئ بحرف واحد فقد اختلفوا فيه: فمنهم من لم يجعل ذلك حرفا، وإنما جعله فعلا واسما لشئ خاص.

ومن جعل ذلك حرفا قال: أراد أن يحقق الحروف مفردها ومنظومها.

ولضيق ما سوى كلام العرب، أو لخروجه عن الاعتدال - يتكرر (5) في بعض الألسنة الحرف الواحد في الكلمة الواحدة والكلمات المختلفة كثيرا (6) ، كنحو تكرر الطاء والسين في لسان / يونان، وكنحو الحروف الكثيرة التى هي (7) اسم لشئ واحد في لسان الترك، ولذلك لا يمكن أن ينظم من الشعر في تلك الألسنة على الأعاريض التي تمكن في اللغة العربية.

والعربية أشدها تمكنا، وأشرفها تصرفا وأعدلها، ولذلك (8) جعلت حلية لنظم القرآن، وعلق بها الإعجاز، وصار دلالة في النبوة (9) .

* * *

وإذا كان الكلام إنما يفيد الإبانة عن الأغراض القائمة في النفوس، التي لا يمكن التوصل إليها بأنفسها وهي محتاجة إلى ما يعبر عنها، فما كان أقرب في تصويرها، وأظهر في كشفها للفهم الغائب عنها، وكان مع ذلك أحكم في الإبانة عن المراد، وأشد تحقيقا في الايضاح عن المطلب (1) وأعجب في وضعه، وأرشق في تصرفه، وأبرع في نظمه - كان أولى وأحق بأن يكون شريفا.

وقد شبهوا النطق بالخط، والخط يحتاج مع بيانه إلى رشاقة / وصحة، [وملاحة] (2) ولطف، حتى يحوز الفضيلة ويجمع الكمال.

شبهوا الخط والنطق بالتصوير، وقد أجمعوا أن من أحذق المصورين من صور لك الباكي المتضاحك، والباكي الحزين، والضاحك المتباكي، والضاحك المستبشر.

وكما أنه يحتاج إلى لطف يد في تصوير هذه الأمثلة، فكذلك يحتاج إلى لطف في اللسان والطبع في تصوير ما في النفس للغير.

وفي جملة الكلام ما تقصر (3) عبارته وتفضل معانيه.

وفيه ما تقصر معانيه (4) وتفضل العبارات.

وفيه ما يقع كل واحد منهما وفقا للآخر.

ثم ينقسم ما يقع وفقا إلى أنه قد يفيدها على [جملة وقد يفيدها على] (5) تفصيل.

وكل واحد منهما قد ينقسم إلى ما يفيدها على أن يكون كل واحد منهما بديعا شريفا، وغريبا لطيفا.

وقد يكون كل واحد منهما مستجلبا متكلفا، ومصنوعا متعسفا، وقد يكون [كل] (6) واحد منهما حسنا رشيقا، وبهيجا نضيرا (7) .

وقد يتفق أحد الامرين دون الآخر.

وقدر / يتفق أن يسلم الكلام والمعنى من غير رشاقة ولا نضارة في واحد منهما.

[و] (8) إنما يميز من يميز، ويعرف من يعرف.

والحكم في ذلك صعب شديد، والفصل فيه شأو بعيد.

وقد قل من

يميز أصناف الكلام، فقد حكي عن طبقة أبى عبيدة وخلف الاحمر وغيرهما في زمانهما (1) ، أنهم قالوا: ذهب من يعرف نقد (2) الشعر.

وقد بينا قبل هذا اختلاف القوم في الاختيار، وما يجب أن يجمعوا عليه، ويرجعوا عند التحقيق إليه، فكلام المقتدر نمط، وكلام المتوسط (3) باب، وكلام المطبوع له طريق، وكلام المتكلف له منهاج، والكلام المصنوع المطبوع له باب.

ومتى تقدم الإنسان في هذه الصنعة، لم تخف عليه هذه الوجوه، ولم تشتبه عنده هذه الطرق: فهو يميز قدر كل متكلم بكلامه (4) ، وقدر كل كلام في

نفسه، ويحله محله، ويعتقد فيه ما هو عليه، ويحكم فيه (5) بما يستحق من الحكم.

/ وإن كان المتكلم يجود في شئ دون شئ، عرف ذلك منه.

وإن كان (6) يعم إحسانه، عرف (7) .

ألا ترى أن منهم من يجود في المدح دون الهجو.

ومنهم من يجود في الهجو وحده (8) ، ومنهم من يجود في المزح (9) والسخف، ومنهم من يجود في الأوصاف.

والعالم لا يشذ عنه [شئ من ذلك، ولا تخفى عليه] (10) مراتب هؤلاء، ولا تذهب عليه أقدارهم، حتى أنه إذا عرف طريقة شاعر في قصائد معدودة، فأنشد غيرها من شعره - لم يشك أن ذلك من نسجه، ولم يرتب في في أنها (11) من نظمه، كما أنه إذا عرف خط رجل لم يشتبه عليه خطه حيث رآه (12) من بين الخطوط المختلفة، وحتى يميز بين رسائل كاتب وبين رسائل غيره، وكذلك أمر الخطب.

فإن اشتبه عليه البغض، فهو لاشتباه الطريقين، وتماثل الصورتين، كما قد يشتبه شعر أبي تمام بشعر البحتري: في القليل الذي يترك أبو تمام فيه التصنع، ويقصد فيه التسهل، ويسلك الطريقة الكتابية، / ويتوجه في تقريب الألفاظ وترك تعويض المعاني، ويتفق له مثل بهجة أشعار البحترى وألفاظه.

ولا يخفى على أحد يميز هذه الصنعة سبك أبى نواس [من سبك مسلم] (1) ، ولا نسج ابن الرومي من نسج البحتري، وينبهه ديباجة (2) شعر البحتري، وكثرة مائه، وبديع رونقه، وبهجة كلامه، إلا فيما يسترسل فيه، فيشتبه بشعر (3) ابن الرومي، ويحركه ما لشعر (4) أبي نواس من الحلاوة، والرقة، والرشاقة، والسلاسة، حتى يفرق بينه وبين شعر مسلم.

وكذلك يميز بين شعر الأعشى في التصرف، وبين شعر امرئ القيس، وبين شعر النابغة وزهير، وبين شعر جرير والأخطل، والبعيث والفرزدق.

وكل له منهج معروف، وطريق مألوف.

ولا يخفى عليه في زماننا الفصل بين " رسائل عبد الحميد " وطبقته وبين طبقة من بعده (5) ، حتى إنه لا يشتبه عليه ما بين " رسائل ابن العميد " وبين رسائل أهل عصره ومن بعده من برع في صنعة الرسائل، / وتقدم في شأوها، حتى جمع فيها بين طرق المتقدمين وطريقة المتأخرين، [و] حتى خلص لنفسه طريقة (6) ، وأنشأ لنفسه منهاجا، فسلك تارة " طريقة الجاحظ " وتارة طريقة السجع،

وتارة طريقة الأصل، وبرع في ذلك باقتداره، وتقدم بحذقه، ولكنه لا يخفى مع ذلك على أهل الصنعة طريقة من طريق غيره، وإن كان قد يشتبه البعض، ويدق القليل، وتغمض الاطراف، وتشذ النواحى.

وقد يتقارب (1) سبك نفر من شعراء عصر، وتتدانى رسائل كتاب دهر، حتى تشتبه اشتباها شديدا، وتتماثل تماثلا قريبا، فيغمض الاصل (2) .

وقد يتشاكل الفرع والاصل، وذلك فيما لا يتعذر دراك (3) أمده، ولا يتصعب طلاب شأوه، ولا يمنع بلوغ غايته، والوصول إلى نهايته، لأن الذي ينفق من الفصل (4) بين أهل الزمان إذا تفاضلوا [في سبق] (5) ، وتفاوتوا في مضمار، فصل قريب، وأمر يسير.

ت. السيد أحمد صقر — دار المعارف - مصر — الخامسة، ١٩٩٧م