تابع النوع السادس والأربعون
ج ٣ · ص ٢٣٣
كقوله تعالى: {وقال الملأ من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة وأترفناهم في الحياة الدنيا} بتقديم الحال أعني {من قومه} على الوصف أعني {الذين كفروا} ولو تأخر لتوهم أنه من صفة الدنيا لأنها هاهنا اسم تفضيل من الدنو وليست اسما والدنو يتعدى ب"من" وحينئذ يشتبه الأمر في القائلين أنهم أهم من قومه أم لا فقدم لاشتمال التأخير على الإخلال ببيان المعنى المقصود وهو كون القائلين من قومه وحين أمن هذا الإخلال بالتأخير قال تعالى في موضع آخر من هذه السورة: {فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما هذا إلا بشر مثلكم} بتأخير المجرور عن صفة المرفوع.
الثالث: أن يكون في التأخير إخلال بالتناسب فيقدم لمشاكلة الكلام ولرعاية الفاصلة كقوله: {واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون} ، بتقديم "إياه" على "تعبدون" لمشاكلة رءوس الآي وكقوله: {فأوجس في نفسه خيفة موسى} فإنه لو أخر {في نفسه} عن {موسى} فات تناسب الفواصل لأن قبله: {يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى} وبعده،: {إنك أنت الأعلى} .
وكقوله: {وتغشى وجوههم النار} فإن تأخير الفاعل عن المفعول لمناسبته لما بعده.
وكقوله: {إن الله سريع الحساب} ، وهو أشكل بما قبله لأن قبله: {مقرنين في الأصفاد} .
ج ٣ · ص ٢٣٤
وجعل منه السكاكي: {آمنا برب هارون وموسى} بتقديم "هارون" مع أن "موسى" أحق بالتقديم.
الرابع: لعظمه والاهتمام به، وذلك أن من عادة العرب الفصحاء إذا أخبرت عن مخبر ما - وأناطت به حكما - وقد يشركه غيره في ذلك الحكم أو فيما أخبر به عنه وقد عطفت أحدهما على الآخر بالواو المقتضية عدم الترتيب - فإنهم مع ذلك إنما يبدءون بالأهم والأولى. قال سيبويه: كأنهم يقدمون الذي شأنه أهم لهم وهم ببيانه أعنى وإن كانا جميعا يهمانهم ويعنيانهم. انتهى.
قال تعالى: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} ، فبدأ بالصلاة لأنها أهم.
وقال سبحانه: {وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول} .
وقال تعالى: {إياك نعبد وإياك نستعين} ، فقدم العبادة للاهتمام بها.
ومنه تقدير المحذوف في بسم الله مؤخرا.
وأوردوا: {اقرأ باسم ربك} ، وأجيب بوجهين:.
أحدهما: أن تقديم الفعل هناك أهم لأنها أول سورة نزلت.
والثاني: أن باسم ربك متعلق ب اقرأ الثاني ومعنى الأول أوجد القراءة والقصد التعميم.
الخامس: أن يكون الخاطر ملتفتا إليه والهمة معقودة به، وذلك كقوله تعالى:.