تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

تابع النوع السادس والأربعون — البرهان في علوم القرآن

من البرهان في علوم القرآن لـأبو عبد الله بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي — الورقة ١٬٢٥٢ من ١٬٩٢٦.

تابع النوع السادس والأربعون

ج ٣ · ص ٢٤٥

بوجوده ولكن الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم عرفنا اسمه وجوب النظر المؤدي إلى معرفته فآمنا بالرسول ثم بالكتاب المنزل عليه وبالملك النازل به فلو ترتب اللفظ على حسب إيماننا لبدأ بالرسول قبل الكتاب ولكن إنما ترتب على حسب إيمان الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم الذي هو إمام المؤمنين. ذكره السهيلي في أماليه.

وقال غيره: في هذا الترتيب سر لطيف وذلك لأن النور والكمال والرحمة والخير كله مضاف إلى الله تعالى والوسائط في ذلك الملائكة والمقابل لتلك الرحمة هم الأنبياء والرسل فلا بد أولا من أصل وثانيا من وسائط وثالثا من حصول تلك الرحمة ورابعا من وصولها إلى المقابل لها والأصل المقتضي للخيرات والرحمة هو الله ومن أعظم رحمة رحم بها عباده إنزال كتبه إليهم والموصل لها هم الملائكة والمقابل لها المنزلة عليهم هم الأنبياء فجاء الترتيب على ذلك بحسب الوقائع.

الثاني: بالذات.

كقوله تعالى: {مثنى وثلاث ورباع} . ونحوه {ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم} وقوله: {سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم} وكذلك جميع الأعداد كل مرتبة هي متقدمة على ما فوقها بالذات.

وأما قوله تعالى: {إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم} فوجه تقديم المثنى أن المعنى حثهم على القيام بالنصيحة لله وترك الهوى مجتمعين متساويين أو منفردين متفكرين ولا شك أن الأهم حالة الاجتماع فبدأ بها.

ج ٣ · ص ٢٤٦

الثالث: بالعلة والسببية.

كتقديم "العزيز" على "الحكيم" لأنه عز فحكم وتقديم "العليم" على "الحكيم" لأن الإتقان ناشىء عن العلم وكذا أكثر ما في القرآن من تقديم وصف العلم على الحكمة: {قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم} .

ويجوز أن يكون قدم وصف العلم هنا ليتصل بما يناسبه وهو {لا علم لنا} وفي غيره من نظائره لأنه صفات ذات فيكون من القسم قبله.

ومنه قوله: {إياك نعبد وإياك نستعين} قدمت العبادة لأنها سبب حصول الإعانة.

وقوله: {إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين} فإن التوبة سبب الطهارة.

وكذا: {ويل لكل أفاك أثيم} لأن الإفك سبب الإثم.

وكذا: {وما يكذب به إلا كل معتد أثيم} .

وقوله: {وأنزلنا من السماء ماء طهورا لنحيي به بلدة ميتا ونسقيه مما خلقنا أنعاما وأناسي كثيرا} قدم إحياء الأرض لأنه سبب إحياء الأنعام والأناسي وقدم إحياء الأنعام لأنه مما يحيا به الناس بأكل لحومها وشرب ألبانها.

ت. محمد أبو الفضل إبراهيم — دار إحياء الكتب العربية عيسى البابى الحلبي وشركائه — الأولى، ١٣٧٦ هـ - ١٩٥٧ م