تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

تابع النوع السادس والأربعون — البرهان في علوم القرآن

من البرهان في علوم القرآن لـأبو عبد الله بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي — الورقة ١٬٢٦٠ من ١٬٩٢٦.

تابع النوع السادس والأربعون

ج ٣ · ص ٢٥٣

وأما قوله: {فإنه يعلم السر وأخفى} ، أي من السر فعن ابن عباس وغيره: " السر: ما أسررت في نفسك وأخفى منه ما لم تحدث به نفسك مما يكون في عد علم الله فيهما سواء " ولا شك أن الآتي أبلغ وفيه وجهان:.

أحدهما: أنه أفعل تفضيل يستدعي مفضلا عليه علم حتى يتحقق في نفسه فيكون حينئذ تقديم السر من النوع الأول.

وثانيهما: مراعاة رءوس الآي.

ومنها شرف الإدراك، كتقديم السمع على البصر والسميع على البصير لأن السمع أشرف على أرجح القولين عند جماعة وقدم القلب عليهما في قوله تعالى: {ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة} لأن الحواس خدمة القلب وموصلة إليه وهو المقصود وأما قوله: {وختم على سمعه وقلبه} فأخر القلب فيها لأن العناية هناك بذم المتصامين عن السماع ومنهم الذين كانوا يجعلون القطن في آذانهم حتى لا يسمعوا ولهذا صدرت السورة بذكرهم في قوله: {ويل لكل أفاك أثيم يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبرا كأن لم يسمعها} .

ومنها: شرف المجازاة، كقوله: {من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة} .

ومنها: شرف العموم، فإن العام أشرف من الخاص كتقديم العفو على الغفور أي عفو عما لم يؤاخذنا به مما نستحقه بذنوبنا غفور لما واخذنا به في الدنيا قبلنا ورجعنا إليه فتقدم العفو على الغفور لأنه أعم وأخرت المغفرة لأنها أخص.

ج ٣ · ص ٢٥٤

ومنها: شرف الإباحة للإذن بها، كقوله تعالى: {ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام} ، وإنما تقديم الحرام في قوله: {فجعلتم منه حراما وحلالا} فللزيادة في التشنيع عليهم أو لأجل السياق لأن قبله: {فكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا} . ثم {إنما حرم عليكم الميتة} .

ومنها: الشرف بالفضيلة، كقوله تعالى: {مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين} وقوله: {ومنك ومن نوح} وقوله: {محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم} الآية. وقوله: {ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان} {ثم بعثنا من بعدهم موسى وهارون} وقوله: {رب موسى وهارون} في الأعراف والشعراء فإن موسى استأثر باصطفائه تعالى له بتكليمه وكونه من أولي العزم فإن قلت فقد جاء هارون وموسى في سورة طه بتقديم هارون قلنا لتناسب رءوس الآي ومنه تقديم جبريل على ميكائيل في قوله تعالى: {من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال} لأن جبريل صاحب الوحي والعلم وميكائيل.

ت. محمد أبو الفضل إبراهيم — دار إحياء الكتب العربية عيسى البابى الحلبي وشركائه — الأولى، ١٣٧٦ هـ - ١٩٥٧ م