تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

تابع النوع السادس والأربعون — البرهان في علوم القرآن

من البرهان في علوم القرآن لـأبو عبد الله بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي — الورقة ١٬٣٥٠ من ١٬٩٢٦.

تابع النوع السادس والأربعون

ج ٣ · ص ٣٤٣

أو لترتيب النظم ويسمى الإبداع كإبداع الله تعالى في حكايات أقوال المخلوقين كقوله تعالى حكاية عن قول الملائكة: {قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء} .

ومثل ما حكاه عن المنافقين: {قالوا إنما نحن مصلحون} .

وقوله: {أنؤمن كما آمن السفهاء} .

{وقالت اليهود} .

{وقالت النصارى} . ومثله في القرآن كثير.

وكذلك ما أودع في القرآن من اللغات الأعجمية.

ويقرب من التضمين في إيقاع فعل موقع آخر إيقاع الظن موقع اليقين في الأمور المحققة، كقوله تعالى: {الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم} .

{الذين يظنون أنهم ملاقو الله كم من فئة قليلة} .

{ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها} .

{وظن داود أنما فتناه} .

{وظنوا ما لهم من محيص} .

وشرط ابن عطية في ذلك ألا يكون متعلقه حسيا كما تقول العرب في رجل يرى حاضرا: أظن هذا إنسانا وإنما يستعمل ذلك فيما لم يخرج إلى الحس بعد كالآيات السابقة.

ج ٣ · ص ٣٤٤

قال الراغب في "الذريعة": الظن إصابة المطلوب بضرب من الإمارة متردد بين يقين وشك فيقرب تارة من طرف اليقين وتارة من طرف الشك فصار أهل اللغة يفسرونه بهما فمتى رئي إلى طرف اليقين أقرب استعمل معه أن المثقلة والمخففة فيهما كقوله تعالى: {الذين يظنون أنهم ملاقو الله} {وظنوا أنه واقع بهم} .

ومتى رئي إلى الشك أقرب استعمل معه أن التي للمعدومين من الفعل نحو ظننت أن يخرج.

قال: وإنما استعمل الظن بمعنى العلم في قوله: {الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم} لأمرين:.

أحدهما: للتنبيه على أن علم أكثر الناس في الدنيا بالنسبة إلى علمهم في الآخرة كالظن في جنب العلم.

والثاني: أن العلم الحقيقي في الدنيا لا يكاد يحصل إلا للنبيين والصديقين المعنيين بقوله: {الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا} والظن متى كان عن أمارة قوية فإنه يمدح به ومتى كان عن تخمين لم يمدح به كما قال تعالى: {إن بعض الظن إثم} .

وجوز أبو الفتح في قوله: {ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم} أن يكون المراد بها اليقين وأن تكون على بابها وهو أقوى في المعنى أي فقد يمنع من هذا التوهم فكيف عند تحقيق الأمر فهذا أبلغ كقوله: " يكفيك من شر سماعه " أي لو توهم البعث والنشور وما هناك من عظم الأمر وشدته لاجتنب المعاصي فكيف عند تحقق الأمر! وهذا أبلغ.

وقيل: آيتا البقرة بمعنى الاعتقاد والباقي بمعنى اليقين والفرق بينهما أن الاعتقاد يقبل التشكيك بخلاف اليقين وإن اشتركا جميعا في وجوب الجزم بهما.

ت. محمد أبو الفضل إبراهيم — دار إحياء الكتب العربية عيسى البابى الحلبي وشركائه — الأولى، ١٣٧٦ هـ - ١٩٥٧ م