تابع النوع السادس والأربعون
ج ٣ · ص ٣٥٩
وقوله: {وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه} ذهب بالأنعام إلى معنى النعم أو حمله على معنى الجمع.
وقوله: {إن رحمة الله قريب من المحسنين} ، ولم يقل قريبة قال الجوهري: ذكرت على معنى الإحسان. وذكر الفراء أن العرب تفرق بين النسب والقرب من المكان فيقولون: هذه قريبتي من النسب وقريبي من المكان فعلوا ذلك فرقا بين قرب النسب والمكان.
قال الزجاج: وهذا غلط لأن كل ما قرب من مكان ونسب فهو جار على ما يقتضيه من التذكير والتأنيث يريد أنك إذا أردت القرب من المكان قلت زيد قريب من عمرو وهند قريبة من العباس فكذا في النسب.
وقال أبو عبيدة: ذكر [قريب] لتذكير المكان أي مكانا قريبا. ورده ابن الشجري بأنه لو صح لنصب [قريب] على الظرف.
وقال الأخفش: المراد بالرحمة هنا المطر لأنه قد تقدم ما يقتضيه فحمل المذكر عليه.
وقال الزجاج: لأن الرحمة والغفران بمعنى واحد وقيل لأنها والرحم سواء.
ومنه: {وأقرب رحما} فحملوا الخبر على المعنى ويؤيده قوله تعالى: {هذا رحمة من ربي} .
وقيل: الرحمة مصدر والمصادر كما لا تجمع لا تؤنث.
وقيل: [قريب] على وزن [فعيل] [وفعيل] يستوي فيها المذكر والمؤنث حقيقيا كان أو غير حقيقي. ونظيره قوله تعالى: {وهي رميم} .
ج ٣ · ص ٣٦٠
وقيل: من حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه مع الالتفات إلى المحذوف فكأنه قال: وإن مكان رحمة الله قريب ثم حذف المكان وأعطى الرحمة إعرابه وتذكيره.
وقيل: من حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه أي إن رحمة الله شيء قريب أو لطيف أو بر أو إحسان.
وقيل: من باب إكساب المضاف حكم المضاف إليه إذا كان صالحا للحذف والاستغناء عنه بالثاني والمشهور في هذا تأنيث المذكر لإضافته إلى مؤنث كقوله:
مشين كما اهتزت رماح تسفهت ... أعاليها مر الرياح النواسم
فقال: تسفهت والفاعل مذكر لأنه اكتسب تأنيثا من الرياح إذ الاستغناء عنه جائز وإذا كانت الإضافة على هذا تعطي المضاف تأنيثا لم يكن له فلأن تعطيه تذكيرا لم يكن له كما في الآية الكريمة أحق وأولى لأن التذكير أولى والرجوع إليه أسهل من الخروج عنه.
وقيل: من الاستغناء بأحد المذكورين لكون الآخر تبعا له ومعنى من معاينة.
ومنه في أحد الوجوه قوله تعالى: {فظلت أعناقهم لها خاضعين} فاستغني عن خبر الأعناق بخبر أصحابها والأصل هنا إن رحمة الله قريب وهو قريب من المحسنين فاستغني بخبر المحذوف عن خبر الموجود وسوغ ظهور ذلك المعنى.
ونظير هذه الآية الشريفة قوله تعالى: {وما يدريك لعل الساعة قريب} ، قال البغوي: لم يقل قريبة لأن تأنيثها غير حقيقي ومجازها الوقت.