تابع النوع السادس والأربعون
ج ٣ · ص ٣٦٨
فإن قلت: ما الفرق بين قوله سبحانه: {فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة} وبين قوله: {فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة} .
قيل: الفرق بينهما من وجهين:.
لفظي ومعنوي:.
أما اللفظي، فهو أن الفصل بين الفعل والفاعل في قوله: {حق عليهم الضلالة} ، أكثر منها في قوله: {حقت عليه الضلالة} والحذف مع كثرة الحواجز أحسن.
وأما المعنوي، فهو أن [من] في قوله: {ومنهم من حقت عليه الضلالة} راجعة على الجماعة وهي مؤنثة لفظا، بدليل {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا} ، ثم قال: {ومنهم من حقت عليه الضلالة} ، أي من تلك الأمم ولو قال: [ضلت] لتعينت التاء - والكلامان واحد وإن كان معناهما واحدا - فكان إثبات التاء أحسن من تركها لأنها ثابتة فيما هو من معنى الكلام المتأخر.
وأما {فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة} ، فالفريق مذكر ولو قال: [ضلوا] لكان بغير تاء وقوله: {حق عليهم الضلالة} في معناه، فجاء بغير تاء وهذا أسلوب لطيف من أساليب العرب أن يدعو حكم اللفظ الواجب في قياس لغتهم إذا كان في مركبه كلمة لا يجب لها حكم ذلك الحكم.
تنبيه:.
جاء عن ابن مسعود ذكروا القرآن. ففهم منه ثعلب أن ما احتمل تأنيثه وتذكيره كان تذكيره أجود.
ج ٣ · ص ٣٦٩
ورد بأنه يمتنع إرادة تذكير غير الحقيقي التأنيث لكثرة ما في القرآن منه بالتأنيث: {النار وعدها الله} {والتفت الساق بالساق} {قالت لهم رسلهم} .
وإذا امتنع إرادة غير الحقيقي، فالحقيقي أولى.
قالوا: ولا يستقيم إرادة أن ما احتمل التذكير والتأنيث غلب فيه التذكير لقوله تعالى: {والنخل باسقات} . {أعجاز نخل خاوية} ، فأنث مع جواز التذكير قال تعالى: {أعجاز نخل منقعر} ، {من الشجر الأخضر} قال: فليس المراد ما فهم بل المراد الموعظة والدعاء كما قال تعالى: {فذكر بالقرآن} إلا أنه حذف الجار والمقصود ذكروا الناس بالقرآن أي ابعثوهم على حفظه كيلا ينسوه.
وقال الواحدي: إن قول ابن مسعود على ما ذهب إليه ثعلب والمراد أنه إذا احتمل اللفظ التذكير والتأنيث ولم يحتج في التذكير إلى مخالفة المصحف ذكر نحو: {ولا يقبل منها شفاعة} .
قال: ويدل على إرادته هذا أن أصحاب عبد الله من قراء الكوفة كحمزة والكسائي ذهبوا إلى هذا فقرءوا ما كان من هذا القبيل بالتذكير، نحو: {يوم يشهد عليهم ألسنتهم} وهذا في غير الحقيقي.
ضابط الثأنيث.
ضابط التأنيث ضربان:.
حقيقي وغيره، فالحقيقي: لا يحذف التأنيث من فعله غالبا إلا أن يقع فصل نحو:.