تابع النوع السادس والأربعون
ج ٣ · ص ٤١٨
وقد اختلف البيانيون في نحو قوله تعالى: {صم بكم عمي} إنه تشبيه بليغ أو استعارة؟ والمحققون -كما قاله الزمخشري - على الأول قال: لأن المستعار له مذكور - وهم المنافقون - أي مذكور في تقدير الآية والاستعارة لا يذكر فيها المستعار له ويجعل الكلام خلوا عنه بحيث يصلح لأن يراد به المنقول عنه و [المنقول] إليه لولا لا قرينة ومن ثم ترى المفلقين السحرة منهم كأنهم يتناسون التشبيه ويضربون عنه صفحا.
وقال السكاكي: لأن من شرط الاستعارة إمكان حمل الكلام على الحقيقة في الظاهر وتناسي التشبيه وزيد أسد لا يمكن كونه حقيقة فلا يجوز أن يكون استعارة.
الثاني: قد يترك التشبيه لفظا ويراد معنى إذ لم يرد معنى ولم يكن منويا كان استعارة.
مثاله قوله تعالى: {حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر} ، فهذا تشبيه لا استعارة لذكر الطرفين الخيط الأسود وهو ما يمتد معه من غسق الليل شبيها بخيط أسود وأبيض وبينا بقوله: {من الفجر} والفجر - وإن كان بيانا للخيط الأبيض - لكن لما كان أحدهما بيانا للآخر لدلالته عليه اكتفي به عنه ولولا البيان كان من باب الاستعارة كما أن قولك رأيت أسدا استعارة فإذا زدت من فلان، صار تشبيها وأما أنه لم زيد [من الفجر] حتى صار تشبيها؟ وهلا اقتصر به.
ج ٣ · ص ٤١٩
على الاستعارة التي هي أبلغ فلأن شرط الاستعارة أن يدل عليه الحال ولو لم يذكر [من الفجر] لم يعلم أن الخيطين مستعاران من [بدا الفجر] فصار تشبيها.
التقسيم الثاني.
ينقسم باعتبار طرفيه إلى أربعة أقسام، لأنهما:.
إما حسيان، كقوله تعالى: {حتى عاد كالعرجون القديم} وقوله: {كأنهم أعجاز نخل منقعر} .
أو عقليان، كقوله تعالى: {ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة} .
وإما تشبيه المعقول بالمحسوس، كقوله تعالى: {مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت} وقوله: {مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح} ، وقوله: {كمثل الحمار يحمل أسفارا} لأن حملهم التوراة ليس كالحمل على العاتق إنما هو القيام بما فيها.
أما عكسه فمنعه الإمام، لأن العقل مستفاد من الحس ولذلك قيل: من فقد حسا فقد فقد علما وإذا كان ان المحسوس أصلا للمعقول فتشبيهه به يستلزم جعل الأصل فرعا والفرع أصلا وهو غير جائز.