تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

تابع النوع السادس والأربعون — البرهان في علوم القرآن

من البرهان في علوم القرآن لـأبو عبد الله بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي — الورقة ١٬٤٨١ من ١٬٩٢٦.

تابع النوع السادس والأربعون

ج ٣ · ص ٤٧٤

التعديد.

هي إيقاع الألفاظ المبددة على سياق واحد، وأكثر ما يؤخذ في الصفات ومقتضاها ألا يعطف بعضها على بعض لاتحاد محلها، ويجريها مجرى الوصف في الصدق على ما صدق، ولذلك يقل عطف بعض صفات الله على بعض في التنزيل وذلك كقوله: {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} .

وقوله: {هو الله الخالق البارئ} .

وقوله: {الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار} .

وإنما عطف قوله: {هو الأول والآخر والظاهر والباطن} ، لأنها أسماء متضادة المعاني في موضوعها، فوقع الوهم بالعطف عمن يستبعد ذلك في ذات واحدة، لأن الشيء الواحد لا يكون ظاهرا باطنا من وجه، وكان العطف فيه أحسن. ولذلك عطف [الناهون] على [الآمرون] ، [وأبكارا] على [ثيبات] من قوله: {التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله} .

وقوله: {أزواجا خيرا منكن مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ثيبات وأبكارا} ، فجاء العطف لأنه لا يمكن اجتماعهما في محل واحد بخلاف ما قبله.

وقوله: {غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول} ، إنما عطف.

ج ٣ · ص ٤٧٥

فيه بعضا ولم يعطف بعضا، لأن [غافرا] و [قابلا] يشعران بحدوث المغفرة والقبول، وهما من صفات الأفعال وفعله في غيره لا في نفسه، فدخل العطف للمغايرة لتنزلهما منزلة الجملتين، تنبيها على أنه سبحانه يفعل هذا ويفعل هذا. وأما شديد العقاب فصفة مشبهة، وهي تشعر بالدوام والاستمرار، فتدل على القوة، ويشبه ذلك صفات الذات. وقوله: {ذي الطول} ، المراد به ذاته، فترك العطف لاتحاد المعنى.

وقد جاء قليلا في غير الصفات، كقوله تعالى: {إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات ... } الآية، قال الزمخشري: العطف الأول كقوله: {ثيبات وأبكارا} ، في أنهما جنسان مختلفان، إذا اشتركا في حكم لم يكن بد من توسيط العاطف بينهما، وأما العطف الثاني فمن عطف الصفة على الصفة بحرف الجمع، فكان معناه: أن الجامعين والجامعات لهذه الصفات أعد لهم مغفرة. انتهى.

وقال بعضهم: الصفات المتعاطفة إن علم أن موصوفها واحد من كل وجه، كقوله: {غافر الذنب وقابل التوب} ، فإن الموصوف [الله] وإما في النوع كقوله: {ثيبات وأبكارا} ، فإن الموصوف الأزواج، وقوله: {الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر} ، فإن الموصوف النوع الجامع للصفات المتقدمة. وإن لم يعلم أن موصوفها واحد من جهة وضع اللفظ. فإن دل دليل على أنه من عطف الصفات اتبع كهذه الآية، فإن هذه الأعداد لمن جمع الطاعات العشر، لا لمن انفرد بواحدة منها، إذ الإسلام والإيمان كل منهما شرطه في الآخر، وكلاهما شرط في حصول الأجر على البواقي، ومن كان مسلما مؤمنا فله أجره، ولكن ليس هذا الأجر العظيم الذي أعده الله في هذه الآية.

ت. محمد أبو الفضل إبراهيم — دار إحياء الكتب العربية عيسى البابى الحلبي وشركائه — الأولى، ١٣٧٦ هـ - ١٩٥٧ م