تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

تابع النوع السادس والأربعون — البرهان في علوم القرآن

من البرهان في علوم القرآن لـأبو عبد الله بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي — الورقة ١٬٤٨٩ من ١٬٩٢٦.

تابع النوع السادس والأربعون

ج ٤ · ص ٧

فإنها جاءت مجموعة لتعلق الظرف بما في اسم الله تبارك وتعالى من معنى الإلهية فالمعنى هو الإله المعبود في كل واحدة من السموات فذكر الجمع هنا أحسن ولما خفي هذا المعنى على بعض المجسمة قال بالوقف على قوله {في السماوات} ثم يبتدئ بقوله {وفي الأرض}

وتأمل كيف جاءت مفردة في قوله {فورب السماء والأرض إنه لحق} أراد لهذين الجنسين أي رب كل ما علا وسفل وجاءت مجموعة في قوله {سبح لله ما في السماوات والأرض} في جميع السور لما كان المراد الإخبار عن تسبيح سكانها على كثرتهم وتباين مراتبهم لم يكن بد من جمع محلهم

ونظير هذا جمعها في قوله {وله من في السماوات والأرض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون}

وقوله {تسبح له السماوات السبع} أي تسبح بذواتها وأنفسها على اختلاف عددها ولهذا صرح بالعدد بقوله {السبع}

وتأمل كيف جاءت مفردة في قوله: {وفي السماء رزقكم وما توعدون} ف "الرزق" المطر وما توعدون الجنة وكلاهما في هذه الجهة لأنها في كل واحدة واحدة من السموات فكان لفظ الإفراد أليق

وجاءت مجموعة في قوله {قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله} لما كان المراد نفي علم الغيب عن كل من هو في واحدة واحدة من السموات أتى بها مجموعة

ج ٤ · ص ٨

ولم يجئ في سياق الإخبار بنزول الماء منها إلا مفردة حيث وقعت لما لم يكن المراد نزوله من ذاتها بل المراد الوصف

فإن قيل: فهل يظهر فرق بين قوله تعالى في سورة يونس {قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار} وبين قوله في سورة سبأ {قل من يرزقكم من السماوات والأرض قل الله} ؟

قيل: السياق في كل منهما مرشد إلى الفرق فإن الآيات التي في يونس سيقت للاحتجاج عليهم بما أقروا به من كونه تعالى هو رازقهم ومالك أسماعهم وأبصارهم ومدبر أمورهم بأن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي فلما كانوا مقرين بهذا كله حسن الاحتجاج به عليهم إذ فاعل هذا هو الله الذي لا إله غيره فكيف تعبدون معه غيره ولهذا قال بعده {فسيقولون الله} أي هم يقرون به ولا يجحدونه والمخاطبون المحتج عليهم بهذه الآية إنما كانوا مقرين بنزول الرزق من قبل هذه السماء التي يشاهدونها ولم يكونوا مقرين ولا عالمين بنزول الرزق من سماء إلى سماء حتى ينتهي إليهم فأفردت لفظة السماء هنا لذلك

وأما الآية التي في سبأ فإنه لم ينتظم لها ذكر إقرارهم بما ينزل من السماء ولهذا أمر رسوله بأن يجيب وأن يذكر عنهم أنهم هم المجيبون فقال {قل من يرزقكم من السماوات والأرض قل الله} ولم يقل {فسيقولون الله} أي الله وحده الذي ينزل رزقه على اختلاف أنواعه ومنافعه من السموات ومنها ذكر الرياح في القرآن جمعا ومفردة فحيث ذكرت في سياق الرحمة جاءت

ت. محمد أبو الفضل إبراهيم — دار إحياء الكتب العربية عيسى البابى الحلبي وشركائه — الأولى، ١٣٧٦ هـ - ١٩٥٧ م