تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

تابع النوع السادس والأربعون — البرهان في علوم القرآن

من البرهان في علوم القرآن لـأبو عبد الله بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي — الورقة ١٬٥٠١ من ١٬٩٢٦.

تابع النوع السادس والأربعون

ج ٤ · ص ١٩

وبرقت برقا والحق إن الرعد والبرق مصدران فأفردهما أو هما مسببان عن سبب لا يختلف بخلاف الظلمة فإن أسبابها متعددة

ومنها حيث ذكر الكأس في القرآن كان مفردا ولم يجمع في قوله تعالى {بأكواب وأباريق وكأس} ولم يقل وكؤوس لأن الكأس إناء فيه شراب فإن لم يكن فيه شراب فليس بكأس بل قدح والقدح إذا جعل فيه الشراب فالاعتبار للشراب لا لإنائه لأن المقصود هو المشروب والظرف اتخذ للآلة ولولا الشراب والحاجة إلى شربه لما اتخذا والقدح مصنوع والشراب جنس فلو قال كؤوس لكان اعتبر حال القدح والقدح تبع ولما لم يجمع اعتبر حال الشراب وهو أصل واعتبار الأصل أولى فانظر كيف اختار الأحسن من الألفاظ

وكثير من الفصحاء قالوا: دارت الكؤوس ومال الرؤوس فدعاهم السجع إلى اختيار غير الأحسن فلم يدخل كلامهم في حد الفصاحة والذي يدل على ما ذكرنا أن الله تعالى لما ذكر الكأس واعتبر الأصل قال {وكأس من معين} فذكر الشراب

وحيث ذكر المصنوع ولم يكن في اللفظ دلالة على الشراب جمع فقال {وأكواب وأباريق} ثم ذكر ما يتخذ منه فقال {من فضة}

ومنها إفراد الصديق وجمع الشافعين في قوله تعالى {فما لنا من شافعين ولا صديق حميم} وحكمته كثرة الشفعاء في العادة وقلة الصديق قال الزمخشري:

ج ٤ · ص ٢٠

ألا ترى أن الرجل إذا امتحن بإرهاق ظالم نهضت جماعة وافرة من أهل بلده بشفاعته رحمة له وإن لم يسبق له بأكثرهم معرفة وأما الصديق فأعز من بيض الأنوق وعن بعض الحكماء أنه سئل عن الصديق فقال اسم لا معنى له

ويجوز أن يريد بالصديق الجمع

وقال السهيلي: في الروض الأنف إذا قلت عبيد ونخيل فهو اسم يتناول الصغير والكبير من ذلك الجنس قال الله تعالى: {وزرع ونخيل} وقال {وما ربك بظلام للعبيد} وحين ذكر المخاطبين منهم قال العباد ولذلك قال حين ذكر التمر من النخيل {والنخل باسقات} و {أعجاز نخل منقعر} فتأمل الفرق بين الجمعين في حكم البلاغة واختيار الكلام!

وأما في مذهب اللغة فلم يفرقوا هذا التفريق ولا نبهوا على هذا المعنى الدقيق

ومنها اختلاف الجمعين في قوله تعالى: {أيود أحدكم أن تكون له جنة} إلى قوله: {وله ذرية ضعفاء} وقال: {وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا} فأما وجه التفرقة بين الجمع في الموضعين وكذلك قوله: {ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن} إلى قوله: {أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن}

ت. محمد أبو الفضل إبراهيم — دار إحياء الكتب العربية عيسى البابى الحلبي وشركائه — الأولى، ١٣٧٦ هـ - ١٩٥٧ م