النوع الخامس: علم المتشابه
ج ١ · ص ١٧١
الثالث: أنه يوقف على جميعها وقف التمام إن حملت على معنى مستقل غير محتاج إلى ما بعده وذلك إذا لم تجعل أسماء للسور وينعق بها كما ينعق بالأصوات أو جعلت وحدها أخبار ابتداء محذوف كقوله تعالى: {الم الله} أي هذه السورة الم ثم ابتدأ فقال: {الله لا إله إلا هو الحي القيوم}
الرابع: أنها كتبت في المصاحف الشريفة على صورة الحروف أنفسها لا على صورة أساميها وعلل ذلك بأن الكلمة لما كانت مركبة من ذوات الحروف واستمرت العادة متى تهجيت ومتى قيل للكاتب اكتب كيت وكيت أن يلفظ بالأسماء وتقع في الكتابة الحروف أنفسها فحمل على ذلك للمشاكلة المألوفة في كتابة هذه الفواتح وأيضا فإن شهرة أمرها وإقامة ألسنة الأحمر والأسود لها وأن اللافظ بها غير متهجاة لا يجيء بطائل فيها وأن بعضها مفرد لا يخطر ببال غير ما هو عليه من مورده أمنت وقوع اللبس فيها وقد اتفقت في خط المصحف أشياء خارجة عن القياسات التي يبنى عليها علم الخط والهجاء ثم ما عاد ذلك بنكير ولا نقصان لاستقامة اللفظ وبقاء الحفظ وكان اتباع خط المصحف سنة لا تخالف أشار إلى هذه الأحكام المذكورة صاحب الكشاف
وقد اختلف الناس في الحروف المقطعة أوائل السور على قولين:
ج ١ · ص ١٧٢
أحدهما: أن هذا علم مستور وسر محجوب استأثر الله به ولهذا قال الصديق رضي الله عنه في كل كتاب سر وسره في القرآن أوائل السور قال الشعبي إنها من المتشابه نؤمن بظاهرها ونكل العلم فيها إلى الله عز وجل.
قال الإمام الرازي وقد أنكر المتكلمون هذا القول وقالوا لا يجوز أن يرد في كتاب الله ما لا يفهمه الخلق لأن الله تعالى أمر بتدبره والاستنباط منه وذلك لا يمكن إلا مع الإحاطة بمعناه ولأنه كما جاز التعبد بما لا يعقل معناه في الأفعال فلم لا يجوز في الأقوال بأن يأمرنا الله تارة بأن نتكلم بما نقف على معناه وتارة بما لا نقف على معناه ويكون القصد منه ظهور الانقياد والتسليم.
القول الثاني أن المراد منها معلوم وذكروا فيه ما يزيد على عشرين وجها فمنها البعيد ومنها القريب
أحدها ويروى عن ابن عباس رضي الله عنهما أن كل حرف منها مأخوذ من اسم من أسمائه سبحانه فالألف من الله واللام من لطيف والميم من مجيد أو الألف من آلائه واللام من لطفه والميم من مجده
قال ابن فارس وهذا وجه جيد وله في كلام العرب شاهد
قلنا لها قفي فقالت ق فعبر عن قولها وقفت بق
الثاني: أن الله أقسم بهذه الحروف بأن هذا الكتاب الذي يقرؤه محمد هو الكتاب المنزل لا شك فيه وذلك يدل على جلالة قدر هذه الحروف إذ كانت مادة البيان وما في كتب الله المنزلة باللغات المختلفة وهي أصول كلام الأمم بها يتعارفون وقد أقسم الله تعالى ب: {الفجر} {والطور} فكذلك شأن هذه الحروف في القسم بها