تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

النوع الخامس والأربعون: في أقسام معنى الكلام — البرهان في علوم القرآن

من البرهان في علوم القرآن لـأبو عبد الله بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي — الورقة ٩١٣ من ١٬٩٢٦.

النوع الخامس والأربعون: في أقسام معنى الكلام

ج ٢ · ص ٤٢٠

ولذلك قال تعالى: {لن تراني} وهو مخصص بدار الدنيا

وقال: {لا تدركه الأبصار} وهو مستغرق لجميع أزمنة الدنيا والآخرة وعلل بأن الألفاظ تشاكل المعاني ولذلك اختصت لا بزيادة مدة

وهذا ألطف من رأي المعتزلة ولهذا أشار ابن الزملكاني في التبيان بقوله: "لا" تنفي ما بعد و"لن" تنفي ما قرب وبحسب المذهبين أولوا الآيتين قوله تعالى: {ولن يتمنوه أبدا} {ولا يتمنونه أبدا}

ووجه القول الثاني أن: {لا يتمنونه} جاء بعد الشرط في قوله تعالى: {إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت} وحرف الشرط يعم كل الأزمنة فقوبل بلا ليعمم ما هو جواب له أي زعموا ذلك في وقت ما قيل لهم تمنوا الموت وأما {ولن يتمنوه} فجاء بعد قوله: {قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة} أي: إن كانت لكم الدار الآخرة فتمنوا الموت الآن استعجالا للسكون في دار الكرامة التي أعدها الله لأوليائه وأحبائه وعلى وفق هذا القول جاء قوله: {لن تراني}

قلت: والحق أن "لا" و"لن" لمجرد النفي عن الأفعال المستقبلة والتأبيد وعدمه يؤخذان من دليل خارج ومن احتج على التأبيد بقوله: {فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا} وبقوله: {لن يخلقوا ذبابا} عورض بقوله: {فلن أكلم اليوم إنسيا} ولو كانت للتأبيد لم يقيد منفيها باليوم وبقوله: {ولن يتمنوه أبدا} ولو كانت

ج ٢ · ص ٤٢١

لتأبيد لكان ذكر الأبد تكريرا والأصل عدمه وبقوله: {لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى} لا يقال: هي مقيدة فلم تفد التأبيد والكلام عند الإطلاق لأن الخصم يدعي أنها موضوعة لذلك فلم تستعمل في غيره وقد استعملت "لا" للاستغراق الأبدي في قوله تعالى: {لا يقضى عليهم فيموتوا} وقوله: {لا تأخذه سنة ولا نوم} {ولا يؤوده حفظهما} وقوله: {ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط} وغيره مما هو للتأبيد وقد استعملت فيه "لا" دون "لن" فهذا يدل على أنها لمجرد النفي والتأبيد يستفاد من دليل آخر

القسم الثاني: الصفة

وهي مخصصة إن وقعت صفة للنكرة وموضحة للمعرفة

الأسباب التي تأتي الصفة من أجلها

وتأتي لأسباب:

أحدها: لمجرد المدح والثناء ومنه صفات الله تعالى كقوله: {بسم الله الرحمن الرحيم} فليس ذكر الوصف هنا للتمييز لأنه ليس له مثل -تعالى الله عن ذلك-

ت. محمد أبو الفضل إبراهيم — دار إحياء الكتب العربية عيسى البابى الحلبي وشركائه — الأولى، ١٣٧٦ هـ - ١٩٥٧ م