النوع السادس والأربعون: في أساليب القرآن وفنونه البليغة
ج ٢ · ص ٤٣٨
فإن قيل: كيف يحمل القرآن عليه وإنما هو في الشعر؟
قيل: إنا وجدنا في القرآن أشياء جاءت على الأصول المرفوضة كاستحوذ ونظائرها
الثالث: أن المراد فإن كانتا اثنتين فصاعدا فعبر بالأدنى عنه وعما فوقه قاله ابن الضائع النحوي
قلت: ونظائرها قوله تعالى: {فإن لم يكونا رجلين} فإن الرجولية المثناة فهمت من الضمير بدليل: {واستشهدوا شهيدين من رجالكم} فالظاهر أن قوله: {رجلين} حال لا خبر فكأن المعنى: فإن لم يوجدا حال كونهما رجلين
ومثله قوله تعالى: {إني وضعتها أنثى} فإن الأنوثة فهمت من قوله: {وضعتها}
وأورد بعضهم السؤال في الأول فقال: الضمير في {يكونا} للرجلين لأن "الشهيدين" قيدا بأنهما من الرجال فكأن الكلام: فإن لم يكن الرجلان رجلين وهذا محال
وأجاب بعضهم بما أجاب به الأخفش في آية المواريث: إن الخبر هنا أفاد العدد المجرد عن الصفة وهذا ضعيف إذ وضع فيه "الرجلين" موضع الاثنين وهو تجوز بعيد والذي ذكره الفارسي المجرد منهما الرجولية أو الأنوثية أو غيرها من الصفات فكيف يكون لفظ موضوع لصفة ما دالا على نفيها!
ج ٢ · ص ٤٣٩
على أن في جواب الفارسي هناك نظرا فإنه لم يرد على أن جعل نفس السؤال جوابا كأنه قيل لم ذكر العدد وهو متضمن للضمير فقال لأنه يفيد العدد المجرد فلم يزد الألفاظ تجردا
قال: وأما من أجاب بأن {رجلين} منصوب على الحال المبينة وكان تامة فهو أظرف من الأول فإنه سئل عن وجه النظم وأسلوب البلاغة ونفي مالا يليق بها من الحشو فأجاب بالإعراب ولم يجب عن السؤال بشيء والذي يرد عليه وهو خبر يرد عليه وهو حال وما زادنا إلا التكلف في جعله حالا والذي يظهر في جواب السؤال هو أن {شهيدين} لما صح أن يطلق على المرأتين بمعنى شخصين شهيدين قيده بقوله تعالى: {من رجالكم} ثم أعاد الضمير في قوله تعالى: {فإن لم يكونا} على الشهيدين المطلقين وكان عوده عليهما أبلغ ليكون نفي الصفة عنهما كما كان إثباتها لهما فيكون الشرط موجبا ونفيا على الشاهدين المطلقين لأن قوله: {من رجالكم} كالشرط كأنه قال: إن كانا رجلين وفي النظم على هذا الأسلوب من الارتباط وجري الكلام على نسق واحد مالا خفاء به وأما في آية المواريث فالظاهر أن الضمير وضع موضع الظاهر اختصارا لبيان المعنى بدليل أنه لم يتقدمه ما يدل عليه لفظا فكأنه قال: فإن كان الوارث اثنين ثم وضع ضمير الاثنين موضع الوارث الذي هو جنس لما كان المراد به منه الاثنان وأيضا فإن الإخبار عن الوارث -وإن كان جمعا- باثنين ففيه تفاوت ما لكونه مفرد اللفظ فكان الأليق بحسن النظم وضع المضمر موضع الظاهر ثم يجري الخبر على من حدث عنه -وهو الوارث- فيجري الكلام في طريقه مع الإيجاز في وضع المضمر الظاهر والسلامة من تفاوت اللفظ في الإخبار عن لفظ مفرد بمثنى