النوع السادس والأربعون: في أساليب القرآن وفنونه البليغة
ج ٢ · ص ٤٤١
الخامس: أتى بالوحدة ليدل على أن النفخة لا اختلاف في حقيقتها فهي واحدة بالنوع كقوله: {وما أمرنا إلا واحدة} أي: لا اختلاف في حقيقته
ومنها قوله تعالى: {وإلهكم إله واحد} قيل: ما فائدة {إله} وهلا جاء وإلهكم واحد وهو أوجز قيل: لو قال: وإلهكم واحد لكان ظاهره إخبارا عن كونه واحدا في إلهيته يعني لا إله غيره ولم يكن إخبارا عن توحده في ذاته بخلاف ما إذا كرر ذكر الإله والآية إنما سيقت لإثبات أحديته في ذاته ونفي ما يقوله النصارى إنه إله واحد والأقانيم ثلاثة أي الأصول كما أن زيدا واحدا وأعضاؤه متعددة فلما قال: {إله واحد} دل على أحدية الذات والصفة
ولقائل أن يقول: قوله: {واحد} يحتمل الأحدية في الذات والأحدية في الصفات سواء ذكر الإله أولا فلا يتم الجواب
ومنها قوله: {ومناة الثالثة الأخرى} ومعلوم بقوله: {الثالثة} أنها {الأخرى} وفائدته التأكيد ومثله على رأي الفارسي: {وأنه أهلك عادا الأولى}
وأما قوله: {فخر عليهم السقف من فوقهم} قيل: بمعنى "عن" أي: خر عن كفرهم بالله كما تقول: اشتكى فلان عن دواء شربه أي من أجل كفرهم أو بمعنى اللام أي فخر لهم وقيل لأن العرب لا تستعمل لفظة "على" في مثل هذا الموضع إلا في الشر والأمر المكروه تقول خربت على فلان ضيعته كقوله: {واتبعوا
ج ٢ · ص ٤٤٢
ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان} {ويقولون على الله الكذب} {أتقولون على الله ما لا تعلمون} وقيل: لأنه يقال: سقط عليه موضع كذا إذا كان يملكه وإن لم يكن من فوقه بل تحته فدل قوله تعالى: {من فوقهم} على الفوقية الحقيقية وما أحسن هذه المقابلة بالفوقية بما تقدم من قوله: {فأتى الله بنيانهم من القواعد} كما تقول: أخذ برجله فسقط على رأسه
السادسة: إذا اجتمع مختلفان في الصراحة والتأويل
إذا اجتمع مختلفان في الصراحة والتأويل قدم الاسم المفرد ثم الظرف أو عديله ثم الجملة كقوله تعالى: {اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين. ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين} فقوله: {وجيها} حال وكذلك {من المقربين} وقوله: {يكلم} وقوله {من الصالحين} فهذه أربعة أحوال انتصبت عن قوله "كلمة" والحال الأولى جيء بها على الأصل اسما صريحا والثانية في تأويله جار ومجرور وجيء بها هكذا لوقوعها فاصلة في الكلام ولو جيء بها اسما صريحا لناسبت الفواصل والثالثة جملة فعلية والرابعة جار ومجرور
ومنه قوله تعالى: {وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه} {قال