النوع السادس والأربعون: في أساليب القرآن وفنونه البليغة
ج ٢ · ص ٤٧٣
وقوله: {لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب} فإن "نصب" مثل "لغب" وزنا ومعنى ومصدرا وقوله: {أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة} على قول من فسر الصلاة بالرحمة والأحسن خلافه وأن الصلاة للاعتناء وإظهار الشرف كما قاله الغزالي وغيره وهو قدر مشترك بين الرحمة والدعاء والاستغفار وعلى هذا فهو من عطف المتغايرين
وقال الزمخشري في قوله تعالى: {والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك} إنهم هم المذكورون أولا وهو من عطف الصفة على الصفة
واعترض عليه بأن شرط عطف الصفة على الصفة تغاير الصفتين في المعنى تقول: جاء زيد العالم والجواد والشجاع أي الجامع لهذه المعاني الثلاثة المتغايرة ولا تقول: زيد العالم والعالم فإنه تكرار والآية من ذلك لأن المعطوف عليه قوله تعالى: {الذين يؤمنون بالغيب} والمعطوف قوله تعالى: {والذين يؤمنون بما أنزل إليك} والمنزل هو الغيب بعينه
ويحتمل أن يقال المعطوف عليه مطلق الغيب والمعطوف غيب خاص فيكون من عطف الخاص على العام
وجعل منه بعضهم قوله تعالى: {وإن يكذبوك فقد كذب الذين من قبلهم جاءتهم رسلهم بالبينات وبالزبر وبالكتاب المنير} فإن المراد بالكتاب المنير
ج ٢ · ص ٤٧٤
هو الزبور ونقله على إجماع المفسرين لما تضمنه من النعت كما تعطف النعوت بعضها على بعض وهذا يرده تكرار الباء فإنه يشعر بالفصل لأن فائدة تكرار العامل بعد حرف العطف إشعار بقوة الفصل من الأول والثاني وعدم التجوز في العطف الشيء على نفسه
والذي يظهر أنه للتأسيس وبيانه وجوه:
أحدها: أن قوله تعالى: {جاءتهم} يعود الضمير فيه على المكذبين للنبي صلى الله عليه وسلم وعلى الذين من قبلهم فيكون النبي صلى الله عليه وسلم داخلا في المرسلين المذكورين والكتاب المنير هو القرآن وقوله تعالى: {ثم أخذت الذين كفروا} معطوف على قوله تعالى: {فقد كذب الذين من قبلهم} أي: كذبوا ثم أخذتهم بقيام الحجة عليهم {بالبينات وبالزبر وبالكتاب المنير} وجاء تقديم قيام الحجة عليهم قبل العطف اعتراضا للاهتمام به وهو من أدق وجوه البلاغة ومثله في آية آل عمران قوله تعالى: {فقد كذب رسل من قبلك} وقوله: {جاءوا} انصراف من الخطاب إلى الغيبة كأنه قال: جاء هؤلاء المذكورون فيكون النبي صلى الله عليه وسلم داخلا في الضمير وهو في موضع جئتم بالبينات فأقام الإخبار عن الغائب مقام المخاطب كقوله تعالى: {جرين بهم} وفيه وجه من التعجب كأن المخاطب إذا استعظم الأمر رجع إلى الغيبة ليعم الإخبار به جميع الناس وهذا موجود في الآيتين والثاني: أن يكون على حذف مضاف كأنه قيل: الكتاب المنير يعني القرآن