تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

54 — دلائل الإعجاز في علم المعاني

من دلائل الإعجاز في علم المعاني لـأبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي الأصل، الجرجاني الدار — الورقة ١٣٧ من ٦٧٠.

54

ج ١ · ص ١٣٨

تقديم "مثل" و"غير" كالأمر اللازم:

ومما يرى تقديم الاسم فيه كاللازم: "مثل"، و "غير"، في نحو قوله:

مثلك يثني الحزن عن صوبه ... ويسترد الدمع عن غربه1

وقول الناس: "مثلك رعى الحق والحرمة"، وكقول الذي قال له الحجاج: "لأحملنك على الأدهم"، يريد القيد، فقال على سبيل المغالطة: "ومثل الأمير يحمل على الأدهم والأشهب"2، وما أشبه ذلك مما لا يقصد فيه

ب "مثل" إلى إنسان سوى الذي أضيف إليه، ولكنهم يعنون أن كل من كان مثله في الحال والصفة، كان من مقتضى القياس وموجب العرف والعادة أن يفعل ما ذكر، أو أن يلا يفعل. ومن أجل أن كان المعنى كذلك قال1:

ولم أقل مثلك، أعني به ... سواك، يا فردا بلا مشبه2

وكذلك حكم "غير" إذا سلك به هذا المسلك فقيل: "غيري يفعل ذلك"، على معنى أني لا أفعله، لا أن يومئ ب "غير" إلى إنسان فيخبر عنه بأن يفعل، كما قال:

غيري بأكثر هذا الناس ينخدع3

وذاك أنه معلوم أنه لم يرد أن يعرض بواحد كان هناك فيستنقصه ويصفه بأنه مضعوف يغر ويخدع، بل لم يرد إلا أن يقول: إني لست ممن ينخدع ويغتر. وكذلك لم يرد أبو تمام بقوله:

وغيري يأكل المعروف سحتا ... وتشحب عنده بيض الأيادي4

أن يعرض مثلا بشاعر سواه، فيزعم أن الذي قرف به عند الممدوح من أنه هجاه، كان من ذلك الشاعر لا منه. هذا محال، بل ليس إلا أنه نفى عن نفسه أن يكون ممن يكفر النعمة ويلؤم.

ت. محمود محمد شاكر أبو فهر — مطبعة المدني بالقاهرة - دار المدني بجدة — الثالثة ١٤١٣هـ - ١٩٩٢م