تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

الكناية والاستعارة والتمثيل بالاستعارة — دلائل الإعجاز في علم المعاني

من دلائل الإعجاز في علم المعاني لـأبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي الأصل، الجرجاني الدار — الورقة ١٤٢ من ٦٧٠.

الكناية والاستعارة والتمثيل بالاستعارة

ج ١ · ص ١٤٣

أن يقصر الفعل على شيء1، وينفى عما عداه. فإذا قلت: "ما جاءني إلا زيد"، كان المعنى أنك قد قصرت المجيء على زيد، ونفيته عن كل من عداه. وإنما يتصور قصر الفعل على معلوم، ومتى لم يرد بالنكرة الجنس، لم يقف منها السامع على معلوم، حتى تزعم أني أقصر له الفعل عليه، وأخبره أنه كان منه دون غيره.

واعلم أنا لم نرد بما قلناه2، من أنه إنما حسن الابتداء بالنكرة في قولهم: "شر أهر ذا ناب"، لأنه أريد به الجنس، أن معنى "شر" و "الشر" سواء3، وإنما أردنا أن الغرض من الكلام أن نبين أن الذي أهر ذا الناب هو من جنس الشر لا جنس الخير، كما أنا إذا قلنا في قولهم: "أرجل أتاك أم المرأة أتاك" ولكنا نعني أن المعنى على أنك سألت عن الآتي أهو من جنس الرجال أم جنس النساء؟ فالنكرة إذن على أصلها منكونها لواحد من الجنس، إلا أن القصد منك لم يقع إلى كونه واحدا، وإنما وقع إلى كونه من جنس الرجال.

وعكس هذا أنك إذا قلت: "أرجل أتاك أم رجلان؟ "، كان القصد منك إلى كونه واحدا، دون كونه رجلا، فاعرف ذلك أصلا، وهو أنه قد يكون في

57

ج ١ · ص ١٤٤

اللفظ دليل على أمرين، ثم يقع القصد إلى أحدهما دون الآخر، فيصير ذلك الآخر بأن لم يدخل في القصد كأنه لم يدخل في دلالة اللفظ.

وإذا اعتبرت ما قدمته من قول صاحب الكتاب: "إنما قلت: "عبد الله" فنبهته له، ثم بنيت عليه الفعل"1، وجدته يطابق هذا. وذاك أن التنبيه لا يكون إلا على معلوم، كما أن قصر الفعل لا يكون إلا على معلوم، فإذا بدأت بالنكرة فقلت: "رجل"، وأنت لا تقصد بها الجنس، وأن تعلم السامع أن الذي أردت بالحديث رجل لا امرأة، كان محالا أن تقول: "إني قدمته لأنبه المخاطب له"، لأنه يخرج بك إلى أن تقول: إني أردت أن أنبه السامع لشيء لا يعلمه في جملة ولا تفصيل. وذلك ما لا يشك في استحالته، فاعرفه.

ت. محمود محمد شاكر أبو فهر — مطبعة المدني بالقاهرة - دار المدني بجدة — الثالثة ١٤١٣هـ - ١٩٩٢م