تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

85 — دلائل الإعجاز في علم المعاني

من دلائل الإعجاز في علم المعاني لـأبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي الأصل، الجرجاني الدار — الورقة ١٩٩ من ٦٧٠.

85

ج ١ · ص ٢٠٠

فالقول في ذلك: إن الجملة في هذا النحو، وإن كان المخاطب لا يعلمها لعين من أشرت إليه، فإنه لا بد من أن يكون قد علمها على الجملة وحدث بها. فإنك على كل حال لا تقول: "هذا الذي قدم رسولا"، لمن لم يعلم أن رسولا قدم ولم يبلغه ذلك في جملة ولا تفصيل وكذا لا تقول: "هذا الذي كان عندك أمس"، لمن قد نسي أنه كان عنده إنسان وذهب عن وهمه، وإنما تقوله لمن ذاك على ذكر منه، إلا أنه رأى رجلا يقبل من بعيد، فلا يعلم أنه ذاك، ويظنه إنسانا عيره.

وعلى الجملة، فكل عاقل يعلم بون ما بين الخبر بالجملة مع "الذي" وبينها مع غير "الذي"، فليس من أحد به طرق إلا وهو لا يشك أن ليس المعنى في قولك1: "هذا الذي قدم رسولا"2، كالمعنى إذا قلت: "هذا قدم رسولا من الحضرة" ولا "الذي يسكن في محلة كذا"، كقولك: "هذا يسكن محلة كذا"، وليس ذاك إلا أنك في قولك: "هذا قدم رسولا من الحضرة" مبتدئ خبرا بأمر لم يبلغ السامع ولم يبلغه ولم يعلمه أصلا وفي قولك: "هذا الذي قدم رسولا"، معلم في أمر قد بلغه أن هذا صاحبه3، فلم يحل إذن من الذي بدأنا به في أمر الجملة مع "الذي"، من أن ينبغي أن تكون جملة قد سبق من السامع علم بها فاعرفه، فإنه من المسائل التي من جهلها جهل كثيرا من المعاني، ودخل عليه الغلط في كثير من الأمور، والله الموفق للصواب.

ت. محمود محمد شاكر أبو فهر — مطبعة المدني بالقاهرة - دار المدني بجدة — الثالثة ١٤١٣هـ - ١٩٩٢م