98
ج ١ · ص ٢٢٢
المرفوع بأنه فاعل مثله، والمعطوف على المنصوب بأنه مفعول به أو فيه أو له شريك له في ذلك.
وإذا كان هذا أصله في المفرد، فإن الجمل المعطوف بعضها على بعض على ضربين:
أحدهما: أن يكون للمعطوف عليها موضع من الإعراب، وإذا كانت كذلك، كان حكمها حكم المفرد، إذ لا يكون للجملة موضع من الإعراب حتى تكون واقعة موقع المفرد، وإذا كانت الجملة الأولى واقعة موقع المفرد، كان عطف الثانية عليها جاريا مجرى عطف المفرد على المفرد1، وكان وجه الحاجة إلى "الواو" ظاهرا، والإشراك بها في الحكم موجودا، فإذا قلت: "مررت برجل خلقه حسن وخلقه قبيح" كنت قد أشركت الجملة الثانية في حكم الأولى، وذلك الحكم كونها في موضع جر بأنها صفة للنكرة. ونظائر ذلك تكثر، والأمر فيها يسهل.
والذي يشكل أمره هو الضرب الثاني، وذلك أن تعطف على الجملة العارية الموضع من الإعراب جملة أخرى، كقولك: "زيد قائم، وعمرو قاعد" و "العلم حسن، والجهل قبيح"، لا سبيل لنا إلى أن ندعي أن "الواو" أشركت الثانية في إعراب قد وجب للأولى بوجه من الوجه. وإذا كان كذلك، فينبغي أن تعلم المطلوب من هذا العطف والمغزى منه، ولم لم يستو الحال بين أن تعطف وبين أن تدع العطف فتقول: "زيد قائم، عمرو قاعد"، بعد أن لا يكون هنا أمر معقول يؤتى بالعاطف ليشرك بين الأولى والثانية فيه؟
99
ج ١ · ص ٢٢٣
معاني العطف بالواو والفاء وثم:
واعلم أنه إنما يعرض الإشكال في "الواو" دون غيرها من حروف العطف، وذاك لأن تلك تفيد مع الإشراك معاني، مثل أن "الفاء" توجب الترتيب من غير تراخ، و "ثم" توجيه مع تراخ، و "أو" تردد الفعل بين شيئين وتجعله لأحدهما لا بعينه، فإذا عطفت بواحدة منها الجملة على الجملة، ظهرت الفائدة، فإذا قلت: "أعطاني فشكرته"، ظهر بالفاء أن الشكر كان معقبا على العطاء ومسببا عنه وإذا قلت: "خرجت ثم خرج زيد"، أفادت "ثم" أن خروجه كان بعد خروجك، وأن مهلة وقعت بينهما وإذا قلت: "يعطيك أو يكسوك"، دلت "أو" على أنه يفعل واحدا منهما لا بعينه.
وليس "للواو" معنى سوى الإشراك في الحكم الذي يقتضيه الإعراب الذي أتبعت فيه الثاني الأول. فإذا قلت: "جاءني زيد وعمرو" لم تقد بالواو شيئا أكثر من إشراك عمرو في المجيء الذي أثبته لزيد، والجمع بينه وبينه، ولا يتصور إشراك بين شيئين حتى يكون هناك معنى يقع ذلك الإشراك فيه. وإذا كان ذلك كذلك، ولم يكن معنا في قولنا: "زيد قائم وعمرو قاعد" معنى تزعم أن "الواو" أشركت بين هاتين الجملتين فيه، ثبت إشكال المسئلة.
ثم إن الذي يوجبه النظر والتأمل أن يقال في ذلك: إن اوإن كنا إذا قلنا: "زيد قائم وعمرو قاعد"، فإنا لا نرى ههنا حكما نزعم أن "الواو" جاءت للجمع بين الجملتين فيه، فإنا نرى أمرا آخر نحصل معه على معنى الجمع. وذلك أنا لا نقول: "زيد قائم وعمرو قاعد"، حتى يكون عمرو بسبب من زيد، وحتى يكونا كالنظيرين والشريكين، وبحيث إذا عرف السامع حال الأول عناه أن يعرف حال الثاني. يدلك على ذلك أنك إن جئت فعطفت على الأول شيئا ليس منه بسبب، ولا هو مما يذكر بذكره ويتصل حديثه.