تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

172 — دلائل الإعجاز في علم المعاني

من دلائل الإعجاز في علم المعاني لـأبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي الأصل، الجرجاني الدار — الورقة ٣٤٩ من ٦٧٠.

172

ج ١ · ص ٣٥٠

فصل

زيادة بيان في "إنما"، وهو فصل طويل متشعب، فيه غموض:

إن قيل: قد مضيت في كلامك كله على أن "إنما" للخبرلا يجهله المخاطب، ولا يكون ذكرك له لأن تفيده إياه1، وإنا لنراها في كثير من الكلام، والقصد بالخبر بعدها أن تعلم السامع أمرا قد غلط فيه بالحقيقة، واحتاج إلى معرفته، كمثل ما ذكرت في أول الفصل الثاني من قولك2:

"إنما جاءني زيد لا عمرو"، وتراها كذلك تدور في الكتب للكشف عن معان غير معلومة، ودلالة المتعلم منها على ما لا يعلم.

قيل: أما ما يجيء في الكلام من نحو: "إنما جاء زيد لا عمرو"، فإنه وإن كان يكون إعلاما لأمر لا يعلمه السامع، فإنه لا بد مع ذلك من أن يدعى هناك فضل انكشاف وظهور في أن الأمر كالذي ذكر. وقد قسمت في أول ما افتتحت القول فيها فقلت: "إنها تجيء للخبر لا يجهله السامع ولا ينكر صحته، أو لما ينزل هذه المنزلة"3. وأما ما ذكرت من أنها تجيء في الكتب لدلالة المتعلم على ما لم يعلمه، فإنك إذا تأملت مواقعها وجدتها في الأمر الأكثر قد جاءت لأمر قد وقع العلم بموجبه وبشيء يدل عليه.

"إذا قلت: كان زيد، فقد ابتدأت بما هو معروف عنده مثله عندك،

173

ج ١ · ص ٣٥١

وإنما ينتظر الخبر. فإذا قلت: "حليما"، فقد أعلمته مثل ما علمت. وإذا قلت: "كان حليما"، فإنما ينتظر أن تعرفه صاحب الصفة"1.

وذاك أنه إذا كان معلوما أنه لا يكون متبدأ من غير خبر، ولا خبر من غير مبتدإ، كان معلوما أنك إذا قلت: "كان زيد" فالمخاطب ينتظر الخبر، وإذا قلت: "كان حليما"، أنه ينتظر الاسم، فلم يقع إذن بعد "إنما" إلا شيء كان معلوما للسامع من قبل أن ينتهي إليه.

ومما الأمر فيه بين، قوله في باب "ظننت"2:

"وإنما تحكي بعد "قلت" ما كان كلاما لا قولا"3.

وذلك أنه معلوم أنك لا تحكي بعد "قلت"، إذا كنت تنحو نحو المعنى، إلا ما كان جملة مفيدة، فلا تقول: "قال فلان زيد" وتسكت، أللهم إلا أن تريد أنه نطق بالاسم على هذه الهيئة، كأنك تريد أنه ذكره مرفوعا.

ومثل ذلك قولهم: "إنما يحذف الشيء إذا كان في الكلام دليل عليه"، إلى أشباه ذلك مما لا يحصى، فإن رأيتها قد دخلت على كلام هو ابتداء إعلام بشيء لم يعلمه السامع، فلأن الدليل عليه حاضر معه، والشيء بحيث

ت. محمود محمد شاكر أبو فهر — مطبعة المدني بالقاهرة - دار المدني بجدة — الثالثة ١٤١٣هـ - ١٩٩٢م