تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

190 — دلائل الإعجاز في علم المعاني

من دلائل الإعجاز في علم المعاني لـأبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي الأصل، الجرجاني الدار — الورقة ٣٧٥ من ٦٧٠.

190

ج ١ · ص ٣٧٦

سيد"، ثم كذبته فيه، لم تكن قد أنكرت بذلك أن يكون زيد ابن عمرو، ولكن أن يكون سيدا وكذلك إذا قال: "زيد الفقيه قد قدم"، فقلت له: "كذبت" أو "غلطت". لم تكن قد أنكرت أن يكون زيد فقيها، ولكن أن يكون قد قدم1. هذا ما لا شبهة فيه، وذلك أنك إذا كذبت قائلا في كلام أو صدقته، فإنما ينصرف التكذيب منك والتصديق إلى إثباته ونفيه، والإثبات والنفي يتناولات الخبر دون الصفة. يدلك على ذلك أنك تجد الصفة ثابتة في حال النفي، كثبوتها في حال الإثبات. فإذا قلت: "ما جاءني زيد الظريف"، كان "الظرف" ثابتا لزيد كثبوته إذا قلت: "جاءني زيد الظريف" وذلك أن ليس ثبوت الصفة للذي هي صفة له، بالمتكلم وبإثباته لها فتنتفي بنفيه، وإنما ثبوتها بنفسها، ويتقرر الوجود فيها عند المخاطب، مثله عند المتكلم، لأنه إذا وقعت الحاجة في العلم إلى الصفة، كان الاحتياج إليها من أجل خيفة اللبس على المخاطب.

تفسير ذلك: أنك إذا قلت: "جاءني زيد الظريف"، فإنك إنما تحتج إلى أن تصفه بالظريف، إذا كان فيمن يجيء إليك واحد آخر يسمى "زيدا"، فأنت تخشى إن قلت: "جاءني زيد" ولم تقل: "الظريف"، أن يلتبس على المخاطب فلا يدري أهذا عنيت أم ذاك؟ وإذا كان الغرض من ذكر الصفة إزالة اللبس والتبيين، كان محالا أن تكون غير معلومة عند المخاطب، وغير ثابتة، لأنه يؤدي إلى أن ترم تبيين الشيء للمخاطب بوصف هو لا يعلمه في ذلك الشيء. وذلك ما لا غاية وراءه في الفساد.

ت. محمود محمد شاكر أبو فهر — مطبعة المدني بالقاهرة - دار المدني بجدة — الثالثة ١٤١٣هـ - ١٩٩٢م