تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

192 — دلائل الإعجاز في علم المعاني

من دلائل الإعجاز في علم المعاني لـأبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي الأصل، الجرجاني الدار — الورقة ٣٧٨ من ٦٧٠.

192

ج ١ · ص ٣٧٩

حذف الموصوف بالعدد شائع:

وأما حذف الموصوف بالعدد، فكذلك شائع، وذلك أنه كما يسوغ أن تقول: "عندي ثلاثة"، وأنت تريد "ثلاثة أثواب"، ثم تحذف، لعلمك أن السامع يعلم ما تريد، كذلك يسوغ أن تقول: "عندي ثلاثة"، وأنت تريد "أثواب ثلاثة"، لأنه لا فصل بين أن تجعل المقصود بالعدد مميزا، وبين أن تجعله موصوفا بالعدد، في أنه يحسن حذفه إذا علم المراد.

يبين ذلك أنك ترى المقصود بالعدد قد ترك ذكره، ثم لا تستطيع أن تقدره إلا موصوفا، وذلك في قولك: "عندي اثنان"، و "عندي واحد"، يكون المحذوف ههنا موصوفا لا محالة، نحو: "عندي رجلان اثنان" و "عندي درهم واحد"، 1 ولا يكون مميزا البتة2، من حيث كانوا قد رفضوا إضافة "الواحد" و "الاثنين" إلى الجنس، فتركوا أن يقولوا: "واحد رجال" و "آثنا رجال" على حد "ثلاثة رجال"، ولذلك كان قول الشاعر:

ظرف عجوز فيه ثنتا حنظل3

شاذا

ج ١ · ص ٣٨٠

هذا، ولا يمتنع أن يجعل المحذوف من الآية في موضع التمييز دون موضع الموصوف، فيجعل التقدير، "ولا تقولوا ثلاثة آلهة"، ثم يكون الحكم في الخبر على ما مضى، ويكون المعنى، والله أعلم، ولا تقولوا لنا ثلاثة آلهة، أو في الوجود ثلاثة آلهة"1.

فإن قلت: فلم صار لا يلزم على هذا التقدير ما لزم على قول من قدر: "ولا تقولوا آلهتنا ثلاثة"؟

2 فذاك لأنا إذا جعلنا التقدير3: ولا تقولوا لنا، أو: في الوجود، آلهة ثلاثة، أو ثلاثة آلهة"، كنا قد نفينا الوجود على الآلهة، كما نفيناه في "لا إله إلا الله"، و {ما من إله إلا الله} [آل عمران: 62].

وإذا زعموا أن التقدير "ولا تقولوا آلهتنا ثلاثة"، كانوا قد نفوا أن تكون عدة الآلهة ثلاثة، ولم ينفوا وجود الآلهة.

فإن قيل: فإنه يلزم على تقديرك الفساد من وجه آخر، وذاك أنه يجوز إذا قلت: "ليس لنا أمراء ثلاثة"، أن يكون المعنى: ليس لنا أمراء ثلاثة4، ولكن لنا أميران اثنان، وإذا كان كذلك: كان تقديرك وتقديرهم جميعا خطأ.

ت. محمود محمد شاكر أبو فهر — مطبعة المدني بالقاهرة - دار المدني بجدة — الثالثة ١٤١٣هـ - ١٩٩٢م