بساط الربوبية وبساط العبودية
ج ١ · ص ٢٦٤
الريحان لنزاهته وطيبه وكياسته فهذا العبد بطهارة خلقه وصفاء قلبه ووقارة عقله وإدراك حكمته سقاه الملك الأعلى شربة من كأس حبه حتى سكر عقله عن جميع أحوال النفس حتى صار كل أموره من المحبوب والمكروه عنده حلوا يجد ثمرة الحب فبكياسة ذهنه أدرك دقائق الحكمة وبفهمه وفطنته بلغ محل الخدمة وعرف أوقات الملك وأوقات الأشياء فإن الخدمة ذات ألوان وفنون وبعقله ولبه عظم أمرها وصانها وبحكمته أمسكها الله تعالى فهذا الكيس الفطن الذي إذا نال الحكمة نظر إلى عمل من أعمال البر فيقول ما هذا ففهم أن هذا محبوب الله تعالى قام إلى ذلك محتسبا
قال له قائل بين واحد من هذا حتى نفهم
قال إن الله تعالى أمرنا بالصلاة والصوم وغيرهما فإذا نظر الكيس بنور الحكمة أن في الصلاة أمره وفيها قيام بين يديه ودله عليه علم بفهمه وحكمته أنها محبوب الله تعالى فهل أحب قيامي بين يديه إلا من أجل أنه أحبني فبحبه إياي أعطاني موطن القيام بين يديه فاطلع بفهمه على أمر عظيم يستدل بذلك على أنه حبيبه ومن حبه أحب كونه بين يديه فإذا فهم هذا كانت صلاته قرة عينه وخروجه عنها مصيبة عظيمة وكذا في كل نوع من أنواع البر هذا
الأنبياء أعظم أجرا
ج ١ · ص ٢٦٥
مثل الثناء والتسبيح لله تعالى مثل ملك بين يديه خدم استقبله أمر فوجههم إلى عمل لا ينفك في ذلك العمل فوجه عبيده وعسكره إلى ذلك الأمر فذهبوا عجالا فأتموا ذلك الأمر ورجعوا إلى مقام الخدمة منتصبين فما من أحد منهم رجع عن طريقه إلا أخذه من غبار الطريق
ولما أرادوا الدخول بين يدي الملك فأولا نفضوا الغبار عن رؤوسهم وثيابهم حتى يدخلوا على الملك على هيئتهم التي كانت لهم قبل ذلك بين يديه مع الطراوة والنقاوة
فكذا العباد المؤمنون إذا مارسوا أمور الدنيا وخالطوا الخلق لم يخلوا من الغبار والأدناس الذي حل بهم وإن اجتهدوا في الصدق والتقوى والتدبر فيرجعون إلى ربهم بالثناء والتسبيح ليكون ذلك نفضا لما لحقهم من الأدناس ونالهم من الغبار والدخان ليتطهروا فيصيرون أهلا للدخول بين يدي مليكهم
مثل المجتمعين على ذكر الله بكرة وعشية فذكروه ثم رفعوا