سورة البقرة
ج ١ · ص ٢٥٦
ثم اختلف أرباب هذا القول في معنى الكلام ووجه نسخه على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن هذا نزل بمكة، والمسلمون قليل ليس لهم سلطان يقهرون به المشركين، وكان المشركون يتعاطونهم بالشتم والأذى فأمر الله تعالى المسلمين أن يأتوا إليهم مثل ما أتوا إليهم أو يعفوا ويصبروا فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وأعز الله سلطانه نسخ ما كان تقدم من ذلك، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما1.
والثاني: أنه كان في أول الأمر إذا اعتدي على الإنسان فله أن يقتص لنفسه بنفسه من غير مرافعة إلى سلطان المسلمين ثم نسخ ذلك بوجوب الرجوع إلى السلطان في إقامة الحدود والقصاص. قال شيخنا2 وممن حكي ذلك عنه ابن عباس رضي الله عنهما.
قلت: وهذا لا يثبت عن ابن عباس3 ولا يعرف له صحة، فإن الناس ما زالوا يرجعون إلى رؤسائهم وسلاطينهم في الجاهلية والإسلام إلا
ج ١ · ص ٢٥٧
أنه لو أن إنسانا استوفى حق نفسه من خصيمه من غير سلطان أجزأ ذلك1، وهل يجوز له ذلك؟ فيه روايتان عن أحمد.
والثالث: أن معنى الآية فمن اعتدى عليكم في الشهر الحرام فاعتدوا عليه فيه ثم نسخ ذلك، وهذا مذكور عن مجاهد، ولا يثبت2 ولو ثبت كان مردودا، بأن دفع الاعتداء جائز في جميع الأزمنة عند جميع العلماء، وهذا حكم غير منسوخ، والصحيح في هذه الآية أنها محكمة غير
ج ١ · ص ٢٥٨
منسوخة1. فأما أولها فإن المشركين لما منعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من دخول مكة في شهر حرام اقتصر لنبيه عليه السلام بإدخاله مكة في شهر حرام.
أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك، قال: أبنا أحمد بن الحسن بن خيرون وأبو ظاهر الباقلاوي، قال: أبنا أبو علي بن شاذان، قال: أبنا أحمد بن كامل القاضي، قال: أبنا محمد بن سعد العوفي، قال: حدثني أبي قال. حدثني عمي الحسين بن حسن بن عطية، قال: حدثني أبي عن جدي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان المشركون حبسوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذي القعدة عن البيت ففخروا عليه بذلك فرجعه الله في ذي القعدة فأدخله البيت الحرام فاقتص له منهم2.
فأما قوله: {فمن اعتدى عليكم} فقال سعيد بن جبير: كان المشركون قد عاهدوه يوم الحديبية أن يخلوا له مكة ولأصحابه العام المقبل ثلاثة أيام، فلما جاء العام الذي كان الشرط بينهما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه محرمين بعمرة فخافوا، أن لا (يوف) 3 لهم المشركون بما