سورة البقرة
ج ١ · ص ٣٢٩
وإلى هنا ذهب الربيع بن أنس، وابن زيد، ومقاتل بن سليمان1.
ومن نص هذا القول قال: حق تقاته: هو القيام له بجميع ما يستحقه من طاعة واجتناب معصية، قالوا: هذا أمر تعجز الخلائق عنه، فكيف بالواحد منهم فوجب أن تكون منسوخة وأن تعلق الأمر بالاستطاعة.
ويوضح هذا ما أخبرنا به يحيى بن علي المدير2 قال: أبنا أبو الحسين بن المنصور قال: أبنا أحمد بن محمد الحرزي، قال: أبنا البغوي، قال: بنا محمد بن بكار، قال: بنا محمد بن طلحة عن زبيد عن مرة عن ابن مسعود رضي الله عنه {اتقوا الله حق تقاته} قال: "أن يطاع فلا يعصى وأن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر"3.
والقول الثاني: أنها محكمة.
أخبرنا المبارك بن علي، قال: أبنا أحمد بن الحسين بن قريش، قال: أبنا إسحاق البرمكي، قال: أبنا محمد بن إسماعيل بن العباس، قال: بنا أبو
ج ١ · ص ٣٣٠
بكر بن أبي داود، قال: بنا يعقوب بن سفيان، قال: بنا أبو صالح، قال: حدثني معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما {اتقوا الله حق تقاته} قال: "لم تنسخ, ولكن حق تقاته: أن تجاهدوا في الله حق جهاده. ولا تأخذهم في الله لومة لائم ويقوموا لله بالقسط ولو على أنفسهم وآبائهم وأبنائهم".
وهذا مذهب طاوس وهو الصحيح1.
لأن التقوى: هو اجتناب ما نهى الله عنه، ولم ينه عن شيء ولا أمر به إلا وهو داخل تحت (الطاقة) 2 كما قال عزوجل: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} 3.
فالآيتان متوافقتان، والتقدير: "اتقوا الله حق تقاته ما استطعتم".
فقد فهم الأولون من الآية تكليف ما لا يستطاع فحكموا بالنسخ وقد رد عليهم ذلك قوله: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} وإنما قوله حق تقاته، كقوله: حق جهاده، الحق ها هنا بمعنى الحقيقة. ثم إن هفوة المذنب