سورة البقرة
ج ١ · ص ٣٣٠
بكر بن أبي داود، قال: بنا يعقوب بن سفيان، قال: بنا أبو صالح، قال: حدثني معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما {اتقوا الله حق تقاته} قال: "لم تنسخ, ولكن حق تقاته: أن تجاهدوا في الله حق جهاده. ولا تأخذهم في الله لومة لائم ويقوموا لله بالقسط ولو على أنفسهم وآبائهم وأبنائهم".
وهذا مذهب طاوس وهو الصحيح1.
لأن التقوى: هو اجتناب ما نهى الله عنه، ولم ينه عن شيء ولا أمر به إلا وهو داخل تحت (الطاقة) 2 كما قال عزوجل: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} 3.
فالآيتان متوافقتان، والتقدير: "اتقوا الله حق تقاته ما استطعتم".
فقد فهم الأولون من الآية تكليف ما لا يستطاع فحكموا بالنسخ وقد رد عليهم ذلك قوله: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} وإنما قوله حق تقاته، كقوله: حق جهاده، الحق ها هنا بمعنى الحقيقة. ثم إن هفوة المذنب
ج ١ · ص ٣٣١
لا تنافي أن يكون مكلفا للتحفظ، وإنما شرع الاستغفار والتوبة بوقوع الهفوات.
وقال أبو جعفر النحاس: "معنى قول الأولين نسخت هذه الآية أي: أنزلت الأخرى بنسختها وهما واحد، وإلا فهذا لا يجوز أن ينسخ، لأن الناسخ هو المخالف للمنسوخ من جميع جهاته الرافع له المزيل حكمه"1.
وقال ابن عقيل: ليست منسوخة، لأن قوله: {ما استطعتم} بيان لحق تقاته وأنه تحت الطاقة فمن سمى بيان القرآن نسخا فقد أخطأ.
وهذا في تحقيق الفقهاء يسمى: تفسير مجمل أو بيان مشكل، وذلك أن القوم ظنوا أن ذلك تكليف (ما لا يطاق) 2 فأزال الله إشكالهم. فلو قال: لا تتقوه حق تقاته كان نسخا، وإنما بين3 أني لم أرد بحق التقاة، ما ليس في الطاقة4.