سورة البقرة
ج ٢ · ص ٤١٤
اختلف المفسرون فيها على قولين:
أحدهما: أنها محكمة وأنها تدل على أن الواجب على الرسول التبليغ وليس عليه الهدي.
والثاني: أنها تتضمن الاقتصار على التبليغ دون الأمر بالقتال ثم نسخت بآية السيف1 والأول أصح2.
ذكر الآية الثامنة: قوله تعالى: {عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} 3.
للعلماء فيها قولان:
أحدهما: أنها منسوخة: قال أرباب هذا القول هي تتضمن كف الأيدي عن قتال (الضالين) 4 فنسخت. ولهم في ناسخها قولان:
أحدهما: آية السيف.
والثاني: أن آخرها نسخ أولها. قال أبو عبيد القاسم بن سلام ليس في القرآن آية جمعت الناسخ والمنسوخ غير هذه وموضع المنسوخ منها إلى قوله: {لا يضركم من ضل} والناسخ قوله: {إذا اهتديتم} والهدى ها هنا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر5.
ج ٢ · ص ٤١٥
قلت: وهذا الكلام إذا حقق لم يثبت.
والقول الثاني: أنها محكمة.
قال الزجاج: معناها: إنما ألزمكم الله أمر أنفسكم لا يؤاخذكم بذنوب غيركم. قال: وهذه الآية لا توجب ترك الأمر بالمعروف. لأن المؤمن إذا تركه وهو مستطيع له، فهو ضال وليس بمهتد1.
قلت: وهذا القول هو الصحيح وأنها محكمة. ويدل على إحكامها أربعة أشياء:
أحدها: أن قوله: {عليكم أنفسكم} يقتضي (إغراء) 2 الإنسان بمصالح نفسه، ويتضمن الإخبار بأنه لا يعاقب بضلال غيره وليس مقتضى ذلك أن لا ينكر على غيره وإنما غاية الأمر أن يكون ذلك مسكوتا عنه فيقف على الدليل.
والثاني: أن الآية تدل على وجوب الأمر بالمعروف. لأن قوله: {عليكم أنفسكم} أمر بإصلاحها وأداء ما عليها، وقد ثبت وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فصار من جملة ما على الإنسان في نفسه أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. وقد دل على ما قلنا قوله: {إذا اهتديتم} وإنما يكون الإنسان مهتديا إذا امتثل أمر الشرع، ومما أمر الشرع به الأمر بالمعروف.
وقد روي عن ابن مسعود والحسن وأبي العالية: أنهم قالوا في هذه الآية: قولوا ما قبل منكم فإذا رد عليكم فعليكم أنفسكم3.