سورة البقرة
ج ١ · ص ٢٣٠
الابتلاء لأنه أدعى لمن جاء بعد الصحابة ومن كان في عصر - صلى الله عليه وسلم - إلى اتباعهم لأنهم يعلمون أنه لا يصبر على هذه الأشياء إلا من قد وضح له الحق وبان له البرهان، - والله عز وجل - يعطيهم ما ينالهم من المصائب في العاجل والآجل، وما هو أهم نفعا - لهم فجمع بهذا الدلالة على البصيرة وجوز الثواب للصابرين على ذلك الابتلاء فقال عز وجل:
(وبشر الصابرين): بالصلاة عليهم من ربهم والرحمة وبأنهم المهتدون -
فقال عز وجل: (الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون (156)
أي نحن وأموالنا لله ونحن عبيده يصنع بنا ما شاء، وفي ذلك صلاح لنا وخير.
(وإنا إليه راجعون): أي نحن مصدقون بأنا نبعث ونعطي الثواب على
تصديقنا، والصبر على ما ابتلانا به.
* * *
وقوله عز وجل: (أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون (157)
والصلاة في اللغة على ضرببن: أحدهما الركوع والسجود، والآخر الرحمة
والثناء والدعاء - فصلاة الناس على الميت إنما معناها الدعاء والثناء على الله
صلاة، والصلاة من الله عز وجل على أنبيائه وعباده معناها الرحمة - لهم، والثناء عليهم، وصلاتنا الركوع والسجود كما وصفنا.
والدعاء صلاة قال الأعشى:
عليك مثل الذي صليت فاغتمضي. . . نوما فإن لجنب المرء مضطجعا
ويروى مثل الذي صليت، فمن قال عليك مثل الذي صليت، فمعناه
ج ١ · ص ٢٣١
أنه يأمرها بأن تدعو له مثل الذي دعا لها. أي تعيد الدعاء له
ومن روى عليك مثل الذي صليت فهو رد عليها.
كأنه قال عليك مثل دعائك، أن ينالك من
الخير مثل الذي أردت لي بهذه ودعوت به لي -
وقال الشاعر:
صلى على يحيى وأشياعه. . . رب كريم وشفيع مطاع
المعنى عليه الرحمة من الله والثناء الجميل.
وأصل هذا كله عندي من اللزوم يقال صلي وأصلى واصطلى، إذا لزم. ومن هذا ما يصلى في النار، أى أنه يلزم.
وقال: أهل اللغة في الصلاة هي من الصلوين، وهما مكتنفا ذنب الناقة.
وأول موصل الفخذ من الإنسان، وكأنهما في الحقيقة مكتنف العصعص.
والأصل عندي القول الأول.
ألا ترى أن الاسم للصيام هو الإمساك عن الطعام والشراب، وأصل
الصيام الثبوت على الإمساك عن الطعام، وكذلك الصلاة إنما هي لزوم ما
فرض الله، والصلاة من أعظم الفرض الذي أمر بلزومه وأما المصلي الذي يأتي في أثر السابق من الخيل فهو مسمى من الصلوين لا محالة، وهما مكتنفا ذنب الفرس، فكأنة يأتي مع ذلك المكان.
- قال الشاعر في الصيام الذي هو ثبوت على القيام:
خيل صيام وخيل غير صائمة. . . تحت العجاج وخيل تعلك اللجما
وقوله تعالى: (وإنا إليه راجعون).