سورة آل عمران
ج ١ · ص ٤٦٠
والدليل على أنهم كسبوا بذلك قوله جل وعز: (فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون (79).
ثم أعلم الله عز وجل أن مثل ما ينفقونه في تظاهرهم على النبي - صلى الله عليه وسلم - في الضرر لهم:
(كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون (117)
والصر البرد الشديد.
(أصابت حرث قوم) - أي زرع قوم ظلموا أنفسهم.
فعاقبهم الله بإذهاب زرعهم - فأهلكته.
فأعلم أن ضرر نفقتهم عليهم كضرر هذه الريح في هذا الزرع وقيل إنه يعني
به أهل مكة حين تعاونوا وأنفقوا الأموال على التظاهر على النبي - صلى الله عليه وسلم -
وقال بعضهم: (مثل ما ينفقون)، أي مثل أعمالهم في شركهم كمثل هذه الريح.
وجعل فيها صر أي صوت، وهذا يخرج في اللغة.
وإنما جعل فيها صوتا لأنه جعل فيها نارا كأنها نار أحرقت الزرع - فالصر
على هذا القول صوت لهيب النار، وهذا كله غير ممتنع.
وجملته أن ما أنفق في التظاهر على عداوة الدين مضر مهلك أهله في العاجل والأجل.
* * *
قوله جل وعز: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون (118)
" البطانة " الدخلاء الذين يستبطنون ويتبسط إليهم، يقال فلان بطانة
لفلان أي مداخل له ومؤانس، فالمعنى أن المؤمنين أمروا ألا يداخلوا
المنافقين ولا إليهود، وذلك أنهم كانوا لا يبقون غاية في التلبيس على