سورة المائدة
ج ٢ · ص ١٥٠
وقوله جل وعز: (اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين (5)
(وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم)
أي ذبائح أهل الكتاب حل لكم، وقد أجمع المسلمون أن ذبائح أهل
الكتاب حلال للمسلمين، واختلفوا فيما سواها من الأطعمة، والذبائح هى من الأطعمة، فالظاهر - والله أعلم - أن جميع طعامهم حلال كالذبائح.
(وطعامكم حل لهم).
تأويله حل لكم أن تطعموهم، لأن الحلال والحرام والفرائض بعد عقد
التوحيد، إنما يعقد على أهل الشريعة والملة، فأما الكفار فالواجب فيهم
القتل إلا من أدى الجزية من أهل الكتاب.
وقوله: (والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم)
أي وأحل لكم المحصنات وهن العفائف وقيل الحرائر، والكتاب يدل
على أن الأمة إذا كانت غير مؤمنة لم يجز التزويج بها، لقوله: (ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن بالمعروف محصنات غير مسافحات).
فإذا آتيتموهن أيإذا أعطيتموهن الأجر على جهة التزويج لا على جهة
السفاح وهو الزنا.
وقوله: (ولا متخذي أخدان).
ج ٢ · ص ١٥١
وهن الصديقات والأصدقاء، فحرم الله عز وجل الجماع على جهة
السفاح، أو على جهة اتخاذ الصديقة، وأحلة على جهة الإحصان، وهو
التزويج، على ما عليه جماعة العلماء.
وقوله: (ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله)
أي من بدل شيئا مما أحل الله فجعله حراما، أو أحل شيئا مما حرم الله
فهو كافر بإجماع، وقد حبط عمله أي حبط جميع ما تقرب به إلى الله جل
ثناؤه، ومن غير ذلك.
* * *
وقوله: (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم جنبا فاطهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون (6)
المعنى إذا أردتم القيام إلى الصلاة، وإنما جاز ذلك لأن في الكلام
والاستعمال دليلا على معنى الإرادة، ومثل ذلك قول الله عز وجل (فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم (98).
المعنى إذا أردت أن تقرأ القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم.
وقوله: (وأرجلكم إلى الكعبين).
القراءة بالنصب، وقد قرئت بالخفض، وكلا الوجهين جائز في العربية
فمن قرأ بالنصب فالمعنى: فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وأرجلكم
إلى الكعبين، وامسحوا برؤوسكم على التقديم والتأخير والواو جائز فيها ذلك كما قال جل وعز: (يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين (43).