سورة المائدة
ج ٢ · ص ١٨٣
" يقيمون " من قولك هذا قوام الأمر، فأما قوله: (أذلة على المؤمنين). فمخفوض على نعت قوم، وإن شئت كانت نصبا على وجهين أحدهما الحال، على معنى يحبهم ويحبونة في حال تذللهم على المؤمنين وتعززهم على الكافرين، ويجوز أن يكون نصبا على المدح.
* * *
فأما قوله عز وجل: (وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم).
أي قفينا على آثار الرسل بعيسى أي جعلناه يقفوهم.
وقوله: (مصدقا لما بين يديه من التوراة).
أي لما تقدم من التوراة، ونصب " مصدقا " على الحال وهو جائز أن
يكون من صفة الإنجيل فهو منصوب بقوله: " آتيناه "
المعنى. آتيناه الإنجيل مستقرا فيه هدى ونور ومصدقا.
ويجوز أن يكون حالا من عيسى.
المعنى وآتيناه الإنجيل هاديا ومصدقا، لأنه إذا قيل آتيناه الإنجيل فيه هدى، فالذي أتى بالهدى هو هاد والأحسن أن يكون على معنى وقفينا بعيسى آتيا بالإنجيل وهاديا ومصدقا لما بين يديه من التوراة، والدليل على أنه من صفة عيسى قوله: (يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة).
* * *
وقوله: (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا).
قال بعضهم: الشرعة الدين والمنهاج الطريق، وقيل: الشرعة والمنهاج
جميعا الطريق، والطريق ههنا الدين، ولكن اللفظ إذا اختلف أتي منه بألفاظ
تؤكد بها القصة والأمر
نحو قول الشاعر:
ج ٢ · ص ١٨٤
حييت من طلل تقادم عهده. . . أقوى وأقفر بعد أم الهيثم
فإن معنى أقوى وأقفر يدل على الخلوة، إلا أن اللفظين أوكد في الخلو
من لفط واحد.
وقال أبو العباس محمد بن يزيد: (شرعة) معناها ابتداء الطريق.
والمنهاج الطريق المستمر، قال: وهذه الألفاظ إذا تكررت في مثل هذا
فللزيادة في الفائدة، قال وكذلك قول الحطيئة:
ألا حبذا هند وأرض بها هند. . . وهند أتى من دونها النأي والبعد
قال: النأي لكل ما قل بعده منك أو كثر، كأنه يقول:
النأي المفارقة قلت أو كثرت، والبعد إنما يستعمل في الشيء البعيد
ومعنى البعيد عنده ما كثرت مسافة مفارقته، وكانه يقول لما قرب منه هو ناء عني، وكذلك لما بعد عنه، والنأي عنده المفارقة.
* * *
وقوله: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء واتقوا الله إن كنتم مؤمنين (57)
هزءا فيه لغات، إن شئت قلت هزؤا بضم الزاي وتحقيق الهمزة، وهو
الأصل والأجود، وإن شئت قلت هزوا وأبدلت من الهمزة واوا، لانضمام ما قبلها وأنها مفتوحة، وإن شئت قلت: هزءا بإسكان الزاي وتحقيق الهمزة.
فهذه الأوجه الثلاثة جيدة يقرأ بهن.
وفيها وجه آخر. ولا تجوز القراءة به لأنه لم يقرأ به، وهو أن يقول هزا مثل هدى وذلك يجوز إذا أردت تخفيف همزة