سورة المائدة
ج ٢ · ص ٢١٣
(لا يضركم من ضل إذا اهتديتم).
أي لا يؤاخذكم الله بذنوب غيركم، وليس يوجب لفظ هذه الآية ترك
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأعلم أنه لا يضر المؤمن كفر الكافر.
فإذا ترك المؤمن الأمر بالمعروف وهو مستطيع ذلك فهو ضال، وليس بمهتد.
وإعراب: (لا يضركم من ضل) الأجود أن يكون رفعا
ويكون على جهة الخبر.
المعنى ليس يضركم من ضل إذا اهتديتم.
ويجوز أن يكون موضعه جزما، ويكون الأصل لا يضرركم إلا أن الراء الأولى أدغمت في الثانية فضمت الثانية لالتقاء الساكنين، ويجوز في العربية على جهة النهي لا يضركم بفتح الراء، ولا يضركم بكسرها.
ولكن القراءة لا تخالف، ولأن الضم أجود كان الموضع رفعا أو جزما.
فأما من ضم لالتقاء الساكنين فأتبع الضم الضم، وأما من كسر فلان
أصل التقاء الساكنين الكسر، وأما من فتح فلخفة الفتح فتح لالتقاء الساكنين.
وهذا النهي للفظ غائب يراد به المخاطبون، إذا قلت: لا يضررك كفر
الكافر، فالمعنى لا تعدن أنت كفره ضررا، كما أنك إذا قلت لا أرنيك ههنا، فالنهي في اللفظ لنفسك، ومعناه لمخاطبك، معناه لا تكونن ههنا.
* * *
وقوله: (يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله إنا إذا لمن الآثمين (106)
معناه أن الشهادة في وقت الوصية هي للموت ليس أن الموت حاضره
وهو يوصي بما يقول الموصي، صحيحا كان أو غير صحيح: إذا حضرني
الموت، أو إذا مت فافعلوا واصنعوا.
والشهادة ترتفع من جهتين:
أحدهما أن ترتفع بالابتداء ويكون خبرها " اثنان "، والمعنى شهادة هذه الحال شهادة اثنين، فتحذف شهادة ويقوم اثنان مقامها.