تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

[فصل قياس الدلالة] — إعلام الموقعين عن ربّ العالمين

من إعلام الموقعين عن ربّ العالمين لـمحمد بن أبي بكر ابن قيّم الجوزية — الورقة ١٥٦ من ١٬٢٢١.

[فصل قياس الدلالة]

ج ١ · ص ١٥٧

رام بعض نفاة القياس إدخال هذه المسائل المجمع عليها في العمومات اللفظية؛ فأدخل قذف الرجال في قذف المحصنات، وجعل المحصنات صفة للفروج لا للنساء، وأدخل صيد الجوارح كلها في قوله: {وما علمتم من الجوارح} [المائدة: 4] ، وقوله: {مكلبين} [المائدة: 4] ، وإن كان من لفظ الكلب فمعناه مغرين لها على الصيد، قاله مجاهد والحسن، وهو رواية عن ابن عباس.

وقال أبو سليمان الدمشقي: مكلبين معناه معلمين، وإنما قيل لهم مكلبين؛ لأن الغالب من صيدهم إنما يكون بالكلاب وهؤلاء وإن أمكنهم ذلك في بعض المسائل كما جزموا بتحريم أجزاء الخنزير لدخوله في قوله: {فإنه رجس} [الأنعام: 145] ، وأعادوا الضمير إلى المضاف إليه دون المضاف، فلا يمكنهم ذلك في كثير من المواضع، وهم مضطرون فيها - ولا بد - إلى القياس، أو القول بما لم يقل به غيرهم ممن تقدمهم، فلا يعلم أحد من أئمة الفتوى يقول في «قول النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد سئل عن فأرة وقعت في سمن ألقوها وما حولها وكلوه» ، إن ذلك مختص بالسمن دون سائر الأدهان والمائعات، هذا مما يقطع بأن الصحابة والتابعين وأئمة الفتيا لا يفرقون فيه بين السمن والزيت والشيرج والدبس؛ كما لا يفرق بين الفأرة والهرة في ذلك، وكذلك «نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الرطب بالتمر» ، لا يفرق عالم يفهم عن الله ورسوله بين ذلك وبين بيع العنب بالزبيب، ومن هذا أن الله - سبحانه - قال في المطلقة ثلاثا {فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله} [البقرة: 230] ، أي إن طلقها الثاني فلا جناح عليها وعلى الزوج الأول أن يتراجعا والمراد به تجديد العقد، وليس ذلك مختصا بالصورة التي يطلق فيها الثاني فقط، بل متى تفارقا بموت أو خلع أو فسخ أو طلاق حلت للأول، قياسا على الطلاق.

ومن ذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم - «لا تأكلوا في آنية الذهب والفضة، ولا تشربوا في صحافها فإنها لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة» ، وقوله: «الذي يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم» ، وهذا التحريم لا يختص بالأكل والشرب، بل يعم سائر وجوه الانتفاع، فلا يحل له أن يغتسل بها، ولا يتوضأ بها، ولا يدهن فيها، ولا يكتحل منها، وهذا أمر لا يشك فيه عالم؛ ومن ذلك «نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - المحرم عن لبس القميص والسراويل والعمامة والخفين» ، ولا يختص ذلك بهذه الأشياء فقط، بل يتعدى النهي إلى الجباب والدلوق والمبطنات والفراجي والأقبية والعرقشينات، وإلى القبع والطاقية والكوفية والكلوثة والطيلسان والقلنسوة، وإلى الجوربين والجرموقين والزربول ذي الساق، وإلى التبان ونحوه.

ت. محمد عبد السلام إبراهيم — دار الكتب العلمية، بيروت