تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

[فصل مثل من القياس التمثيلي] — إعلام الموقعين عن ربّ العالمين

من إعلام الموقعين عن ربّ العالمين لـمحمد بن أبي بكر ابن قيّم الجوزية — الورقة ١٨٧ من ١٬٢٢١.

[فصل مثل من القياس التمثيلي]

ج ١ · ص ١٨٨

وله مال فماله للبائع، وحديث إذا أسلم وتحته أختان اختار أيتهما شاء، وحديث الوتر على الراحلة، وحديث كل ذي ناب من السباع حرام، وحديث من السنة وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة، وحديث لا تجزئ صلاة لا يقيم الرجل فيها صلبه من ركوعه وسجوده، وأحاديث رفع اليدين في الصلاة عند الركوع والرفع منه، وأحاديث الاستفتاح.

وحديث كان للنبي - صلى الله عليه وسلم - سكتتان في الصلاة وحديث تحريمها التكبير وتحليلها التسليم، وحديث حمل الصبية في الصلاة، وأحاديث القرعة، وأحاديث العقيقة، وحديث لو أن رجلا اطلع عليك بغير إذنك، وحديث أيدع يده في فيك تقضمها كما يقضم الفحل، وحديث إن بلالا يؤذن بليل، وحديث النهي عن صوم يوم الجمعة، وحديث النهي عن الذبح بالسن والظفر، وحديث صلاة الكسوف والاستسقاء، وحديث النهي عن عسب الفحل، وحديث المحرم إذا مات لم يخمر رأسه ولم يقرب طيبا، إلى أضعاف ذلك من الأحاديث التي كان تركها من أجل القول بالقياس والرأي؟ .

فلو كان القياس حقا لكان أهله أتبع الأمة للأحاديث ولا حفظ لهم ترك حديث واحد إلا لنص ناسخ له، فحيث رأينا كل من كان أشد توغلا في القياس والرأي كان أشد مخالفة للأحاديث الصحيحة الصريحة علمنا أن القياس ليس من الدين، وأن شيئا تترك له السنن لأبين شيء منافاة للدين، فلو كان القياس من عند الله لطابق السنة أعظم مطابقة، ولم يخالف أصحابه حديثا واحدا منها، ولكانوا أسعد بها من أهل الحديث، فليروا أهل الحديث والأثر حديثا واحدا صحيحا قد خالفوه كما أريناهم آنفا ما خالفوه من السنة بجريرة القياس.

قالوا: وقد أخذ الله الميثاق على أهل الكتاب وعلينا بعدهم أن لا نقول على الله إلا الحق، فلو كانت هذه الأقيسة المتعارضة المتناقضة التي ينقض بعضها بعضا بحيث لا يدري الناظر فيها أيها الصواب حقا لكانت متفقة يصدق بعضها بعضا كالسنة التي يصدق بعضها بعضا، وقال - تعالى -: {ويحق الله الحق بكلماته} [يونس: 82] ، لا بآرائنا ولا مقاييسنا، وقال: {والله يقول الحق وهو يهدي السبيل} [الأحزاب: 4] ، فما لم يقله - سبحانه - ولا هدى إليه فليس من الحق، وقال - تعالى -: {فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم} [القصص: 50] ، فقسم الأمور إلى قسمين لا ثالث لهما: إتباع لما دعا إليه الرسول، واتباع الهوى.

ت. محمد عبد السلام إبراهيم — دار الكتب العلمية، بيروت