[فصل مثل مما جمع فيه القياسيون بين المتفرقات]
ج ١ · ص ٢٩٢
يكسبه المكتري في حانوته من المال هو من الميسر.
وأما المضاربة والمساقاة والمزارعة فليس فيها شيء من الميسر، بل هي من أقوم العدل، وهو مما يبين لك أن المزارعة التي يكون فيها البذر من العامل أولى بالجواز من المزارعة التي يكون فيها البذر من رب الأرض، ولهذا كان أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - يزارعون على هذا الوجه، وكذلك عامل النبي - صلى الله عليه وسلم - أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر وزرع على أن يعملوها من أموالهم، والذين اشترطوا أن يكون البذر من رب الأرض قاسوا ذلك على المضاربة، فقالوا: المضاربة فيها المال من واحد والعمل من آخر، فكذلك المزارعة ينبغي أن يكون البذر فيها من مالك الأرض، وهذا القياس - مع أنه مخالف للسنة الصحيحة ولأقوال الصحابة - فهو من أفسد القياس، فإن المال في المضاربة يرجع إلى صاحبه، ويقتسمان الربح، فهذا نظير الأرض في المزارعة.
وأما البذر الذي لا يعود نظيره إلى صاحبه بل يذهب كما يذهب نفع الأرض فإلحاقه بالنفع الذاهب أولى من إلحاقه بالأصل الباقي، فالعامل إذا أخرج البذر ذهب عمله وبذره، ورب الأرض يذهب نفع أرضه، وبدن هذا كأرض هذا، فمن جعل البذر كالمال في المضاربة كان ينبغي له أن يعيد مثل هذا البذر إلى صاحبه، كما قال مثل ذلك في المضاربة، فكيف ولو اشترط رب البذر عود نظيره لم يجوزوا ذلك؟ .
] : وأما الحوالة فالذين قالوا: " إنها على خلاف القياس " قالوا: هي بيع دين بدين، والقياس يأباه، وهذا غلط من وجهين: أحدهما: أن بيع الدين بالدين ليس فيه نص عام ولا إجماع، وإنما ورد النهي عن بيع الكالئ بالكالئ، والكالئ: هو المؤخر الذي لم يقبض، كما لو أسلم شيئا في شيء في الذمة، وكلاهما مؤخر، فهذا لا يجوز بالاتفاق، وهو بيع كالئ بكالئ.
وأما بيع الدين بالدين فينقسم إلى بيع واجب بواجب كما ذكرنا، وهو ممتنع، وينقسم إلى بيع ساقط بساقط، وساقط بواجب، وواجب بساقط، وهذا فيه نزاع.
قلت: الساقط بالساقط في صورة المقاصة، والساقط بالواجب كما لو باعه دينا له في ذمته بدين آخر من غير جنسه، فسقط الدين المبيع ووجب عوضه، وهي بيع الدين ممن هو في ذمته، وأما بيع الواجب بالساقط فكما لو أسلم إليه في كر حنطة بعشرة دراهم في ذمته فقد وجب له عليه دين وسقط له عنه دين غيره، وقد حكي الإجماع على امتناع هذا، ولا