تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

[فصل السلم جار على وفق القياس] — إعلام الموقعين عن ربّ العالمين

من إعلام الموقعين عن ربّ العالمين لـمحمد بن أبي بكر ابن قيّم الجوزية — الورقة ٣٨٨ من ١٬٢٢١.

[فصل السلم جار على وفق القياس]

ج ٢ · ص ٨٨

عبد الرحمن بن أبي عمارة، وأحاديث تحريم ذوات الأنياب كلها تخالفه، قالوا: ولفظ الحديث يحتمل معنيين: أحدهما أن يكون جابر رفع الأكل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأن يكون إنما رفع إليه كونها صيدا فقط، ولا يلزم من كونها صيدا جواز أكلها، فظن جابر أن كونها صيدا يدل على أكلها، فأفتى به من قوله ورفع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ما سمعه من كونها صيدا.

ونحن نذكر لفظ الحديث ليتبين ما ذكرناه؛ فروى الترمذي في جامعه من حديث عبيد بن عمير الليثي عن «عبد الرحمن بن أبي عمارة قال: قلت لجابر بن عبد الله: آكل الضبع؟ قال: نعم، قلت: أصيد هي؟ قال: نعم، قلت: أسمعت ذلك من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ قال: نعم» ، قال الترمذي: سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث، فقال: هو صحيح، وهذا يحتمل أن المرفوع منه هو كونها صيدا، ويدل على ذلك أن جرير بن حازم قال: عن عبيد بن عمير عن ابن أبي عمارة عن جابر «عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه سئل عن الضبع فقال: هي صيد، وفيها كبش» قالوا: وكذلك حديث إبراهيم الصائغ عن عطاء عن جابر يرفعه: «الضبع صيد، فإذا أصابه المحرم ففيه جزاء كبش مسن ويؤكل» قال الحاكم: حديث صحيح، وقوله: " ويؤكل " يحتمل الوقف والرفع، وإذا احتمل ذلك لم تعارض به الأحاديث الصحيحة الصريحة التي تبلغ مبلغ التواتر في التحريم.

قالوا: ولو كان حديث جابر صريحا في الإباحة لكان فردا، وأحاديث تحريم ذوات الأنياب مستفيضة متعددة ادعى الطحاوي وغيره تواترها، فلا يقدم حديث جابر عليها.

قالوا: والضبع من أخبث الحيوان وأشرهه، وهو مغرى بأكل لحوم الناس ونبش قبور الأموات وإخراجهم وأكلهم، ويأكل الجيف، ويكسر بنابه.

قالوا: والله سبحانه قد حرم علينا الخبائث، وحرم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذوات الأنياب، والضبع لا يخرج عن هذا وهذا.

وقالوا: وغاية حديث جابر يدل على أنها صيد يفدى في الإحرام، ولا يلزم من ذلك أكلها، وقد قال بكر بن محمد: سئل أبو عبد الله يعني الإمام أحمد عن محرم قتل ثعلبا فقال: عليه الجزاء، هي صيد، ولكن لا يؤكل.

وقال جعفر بن محمد: سمعت أبا عبد الله سئل عن الثعلب، فقال: الثعلب سبع؛ فقد نص على أنه سبع وأنه يفدى في الإحرام، ولما جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - في الضبع كبشا ظن جابر أنه يؤكل فأفتى به.

والذين صححوا الحديث جعلوه مخصصا لعموم تحريم ذي الناب من غير فرق بينهما، حتى قالوا: ويحرم أكل كل ذي ناب من السباع إلا الضبع، وهذا لا يقع مثله في الشريعة أن يخصص مثلا على مثل من كل وجه من غير فرقان بينهما.

ت. محمد عبد السلام إبراهيم — دار الكتب العلمية، بيروت