تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

[فصل الفرق بين نذر الطاعة والحلف بها] — إعلام الموقعين عن ربّ العالمين

من إعلام الموقعين عن ربّ العالمين لـمحمد بن أبي بكر ابن قيّم الجوزية — الورقة ٥٢٤ من ١٬٢٢١.

[فصل الفرق بين نذر الطاعة والحلف بها]

ج ٢ · ص ٢٢٤

يوضحه الوجه الثالث: أن الله سبحانه أمرنا بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان، وجاء البيان عن رسوله - صلى الله عليه وسلم - بمقادير ذلك وصفاته وشروطه؛ فوجب على الأمة قبوله، إذ هو تفصيل لما أمر الله به، كما يجب علينا قبول الأصل المفصل، وهكذا أمر الله سبحانه بطاعته وطاعة رسوله؛ فإذا أمر الرسول بأمر كان تفصيلا وبيانا للطاعة المأمور بها، وكان فرض قبوله كفرض قبول الأصل المفصل، ولا فرق بينهما.

يوضحه الوجه الرابع: أن البيان من النبي - صلى الله عليه وسلم - أقسام؛ أحدها: بيان نفس الوحي بظهوره على لسانه بعد أن كان خفيا. الثاني: بيان معناه وتفسيره لمن احتاج إلى ذلك كما بين أن الظلم المذكور في قوله: {ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} [الأنعام: 82] هو الشرك، وأن الحساب اليسير هو العرض، وأن الخيط الأبيض والأسود هما بياض النهار وسواد الليل، وأن الذي رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى هو جبريل، كما فسر قوله: {أو يأتي بعض آيات ربك} [الأنعام: 158] أنه طلوع الشمس من مغربها وكما فسر قوله: {مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة} [إبراهيم: 24] بأنها النخلة، وكما فسر قوله: {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة} [إبراهيم: 27] أن ذلك في القبر حين يسأل من ربك وما دينك، وكما فسر الرعد بأنه ملك من الملائكة موكل بالسحاب، وكما فسر اتخاذ أهل الكتاب أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله بأن ذلك باستحلال ما أحلوه لهم من الحرام وتحريم ما حرموه من الحلال، وكما فسر القوة التي أمر الله أن نعدها لأعدائه بالرمي، وكما فسر قوله: {من يعمل سوءا يجز به} [النساء: 123] بأنه ما يجزى به العبد في الدنيا من النصب والهم والخوف واللأواء، وكما فسر الزيادة بأنها النظر إلى وجه الله الكريم، وكما فسر الدعاء في قوله: {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم} [غافر: 60] بأنه العبادة، وكما فسر أدبار النجوم بأنه الركعتان قبل الفجر، وأدبار السجود بالركعتين بعد المغرب، ونظائر ذلك. الثالث: بيانه بالفعل كما بين أوقات الصلاة للسائل بفعله. الرابع: بيان ما سئل عنه من الأحكام التي ليست في القرآن فنزل القرآن ببيانها، كما سئل عن قذف الزوجة فجاء القرآن باللعان ونظائره. الخامس: بيان ما سئل عنه بالوحي وإن لم يكن قرآنا، كما سئل عن رجل أحرم في جبة بعدما تضمخ بالخلوق، فجاء الوحي بأن ينزع عنه الجبة ويغسل أثر الخلوق. السادس: بيانه للأحكام بالسنة ابتداء من غير سؤال، كما حرم عليهم لحوم الحمر والمتعة وصيد المدينة ونكاح المرأة على عمتها وخالتها وأمثال ذلك. السابع: بيانه للأمة جواز الشيء بفعله هو له وعدم نهيهم عن التأسي به.

الثامن: بيانه جواز

ت. محمد عبد السلام إبراهيم — دار الكتب العلمية، بيروت