2416
قيل لأبي العباس أحمد بن يحيى ثعلب: " توحشت من الناس جدا، فلو تركت لزوم البيت بعض الترك وبرزت للناس كانوا ينتفعون بك وينفعك الله بهم، فسكت ساعة ثم أنشأ يقول:
[البحر الخفيف]
إن صحبنا الملوك تاهوا علينا ... واستخفوا كبرا بحق الجليس
أو صحبنا التجار صرنا إلى البؤس ... وعدنا إلى عداد الفلوس
فلزمنا البيوت نستخرج العلم ... ونملأ به بطون الطروس
2417
وقال محمد بن بشر في شعر له:
[البحر البسيط]
أقبلت أهرب لا آلو مباعدة ... في الأرض منهم فلم يحصني الهرب
لما رأيت بأني لست معجزهم ... فوتا ولا هربا فريت أحتجب
فصرت في البيت مستورا تحدثني ... عن علم ما غاب عني في الورى الكتب
فردا تخبرني الموتى وتنطق لي ... فليس لي في أناس غيرهم إرب
لله من جلساء لا جليسهم ... ولا خليطهم للسوء مرتقب
لا بادرات الأذى يخشى رفيقهم ... ولا يلاقيه منهم منطق ذرب
أبقوا لنا حكما تبقى منافعها ... آخر الليالي على الأيام وانشعبوا
إن شئت من محكم الآثار ترفعها ... إلى النبي ثقات خيرة نجب
أو شئت من عرب علما لأولهم ... في الجاهلية تنبئني بها العرب
أو شئت من سير الأملاك من عجم ... تنبي وتخبر كيف الرأي والأدب؟
حتى كأني قد شاهدت عصرهم ... وقد مضت دونهم من دهرهم حقب
ما مات قوم إذا أبقوا لنا أدبا ... وعلم ودين ولا بانوا ولا ذهبوا
2418
ذكر الجاحظ هذه الأبيات على نسق غير هذا مع زيادة وتغيير نظم بعض الأبيات وهي:
أقبلت أهرب لا آلو مباعدة ... في الأرض منهم فلم يحصني الهرب
فقصر أوس فما والت حنادقه ... فلا النواويس فالماخور فالخرب
فأيما موئل منها اعتصمت به ... فمن ورائي حثيثا منهم الطلب
لما رأيت بأني لست معجزهم ... فوتا ولا هربا فريت أحتجب
فصرت في البيت مستورا به ... جدلا جاري البراء لا شكوى ولا شغب
فردا تحدثني الموتى وتنطق لي ... عن علم ما غاب عني منهم الكتب
هم مؤنسون وآلاف عنيت بهم ... فليس لي في أناس غيرهم إرب
لله من جلساء لا جليسهم ... ولا خليطهم للسوء مرتقب