[الحديث الثامن عشر اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها]
ج ١ · ص ٤٠٠
وقال الحسن: ما زالت التقوى بالمتقين حتى تركوا كثيرا من الحلال مخافة الحرام. وقال الثوري: إنما سموا متقين، لأنهم اتقوا ما لا يتقى. وقال موسى بن أعين: المتقون تنزهوا عن أشياء من الحلال مخافة أن يقعوا في الحرام، فسماهم الله متقين. وقد سبق حديث " «لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا مما به بأس» ". وحديث: " «من اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه» ". وقال ميمون بن مهران: المتقي أشد محاسبة لنفسه من الشريك الشحيح لشريكه. وقال ابن مسعود في قوله تعالى: {اتقوا الله حق تقاته} [آل عمران: 102] [آل عمران: 102] ، قال: أن يطاع، فلا يعصى، ويذكر، فلا ينسى، وأن يشكر، فلا يكفر. وخرجه الحاكم مرفوعا والموقوف أصح، وشكره يدخل فيه جميع فعل الطاعات.
ج ١ · ص ٤٠١
ومعنى ذكره فلا ينسى: ذكر العبد بقلبه لأوامر الله في حركاته وسكناته وكلماته فيمتثلها، ولنواهيه في ذلك كله فيجتنبها. وقد يغلب استعمال التقوى على اجتناب المحرمات كما قال أبو هريرة وسئل عن التقوى، فقال: هل أخذت طريقا ذا شوك؟ قال: نعم، قال: فكيف صنعت؟ قال: إذا رأيت الشوك عدلت عنه، أو جاوزته، أو قصرت عنه، قال: ذاك التقوى. وأخذ هذا المعنى ابن المعتز فقال:
خل الذنوب صغيرها ... وكبيرها فهو التقى
واصنع كماش فوق أر ... ض الشوك يحذر ما يرى
لا تحقرن صغيرة ... إن الجبال من الحصى
وأصل التقوى: أن يعلم العبد ما يتقى ثم يتقي، قال عون بن عبد الله: تمام التقوى أن تبتغي علم ما لم يعلم منها إلى ما علم منها. وذكر معروف الكرخي عن بكر بن خنيس، قال: كيف يكون متقيا من لا يدري ما يتقي؟ ثم قال معروف: إذا كنت لا تحسن تتقي أكلت الربا، وإذا كنت لا تحسن تتقي لقيتك امرأة فلم تغض بصرك، وإذا كنت لا تحسن تتقي وضعت سيفك على عاتقك، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لمحمد بن مسلمة: «إذا رأيت أمتي قد اختلفت، فاعمد إلى سيفك فاضرب به أحدا» ثم قال معروف: ومجلسي هذا لعله كان ينبغي لنا أن نتقيه، ثم قال: ومجيئكم معي من المسجد إلى هاهنا كان ينبغي لنا أن نتقيه، أليس جاء في الحديث: " «إنه فتنة للمتبوع مذلة للتابع» "؟ يعني: مشي الناس خلف الرجل.